ورد في بعض الأحاديث أن بعض الأعمال الصالحة في الدنيا تنجي فاعلها
من فتنة القبر وعذاب القبر: كالرباط في سبيل الله، وقراءة سورة {تبارك الذي
بيده الملك} (الملك: 1) رواهما الترمذي، وقد أوجزنا في هذه المسائل؛ لأن ما
صح من أخبار عالم الغيب لا ينبغي البحث في صفته وكيفيته ولا الزيادة فيه على
الوارد، ولا يجوز قياسه على المعهود لنا في حياتنا الدنيا، وقد ضرب أبو حامد
الغزالي لمنكري عذاب القبر مثلا ما يراه النائم أحيانا من ألم يمسه أو ثعبان يلسعه
ولا يرى عليه أثر للألم بحيث يعرفه من في حضرته.
(ج أسئلة 14- 16) العقاب على حقوق العباد:
من مات وعليه حقوق للعباد من قتل عمد، وديون، ومظالم، وخيانات،
وسرقات، وكذب، وغش لأناس لم يسامحوه بها في الدنيا؛ يعاقبه الله تعالى عليها
في الآخرة، وإن عذبه في البرزخ فإن عذاب الآخرة هو الجزاء الأوفى الذي يكون
بعد الحساب، وأما عذاب البرزخ فهو دون ذلك، ولعله مبني على ما تشعر به
النفس من دنسها وخبثها وسوء تأثير الشرور والفساد والعصيان فيها، والتوبة قد
تسقط عن التائب حقوق الله - عز وجل - ولكنها لا تسقط حقوق العباد، والعقاب
على حقوق العباد نوعان بينهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (المفلس
من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا،
وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته
وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم
فطرحت عليه، ثم طرح في النار) رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة.
(ج17) تفسير حديثين:
أما حديث (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله
فيغفر لهم) ، فقد رواه مسلم بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة بزيادة القسم في أوله
(والذي نفسي بيده) ، ورواه من حديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ (لولا أنكم
تذنبون؛ لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم) ، وبلفظ (لو أنكم لم تكن لكم ذنوب
يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها الله لهم) ، وكان أبو أيوب - رضي
الله تعالى عنه - يكتم هذا الحديث طول حياته؛ خوفا من تهاون بعض الناس
بالذنوب اتكالا على المغفرة، ثم حدث به حين حضرته الوفاة؛ لئلا يكون كاتما للعلم.
والمراد من الحديث ترغيب المذنبين في الرجوع إلى الله وطلب المغفرة منه،
وعدم اليأس من رحمته، فهو دواء لمن يغلب عليه الخوف من عقاب الله تعالى
حتى يخشى عليه القنوط من رحمته تعالى، ومعناه أن المغفرة من صفات الأفعال لله
عز وجل، ومن أسمائه الغافر والغفار والغفور، ولا يتحقق ذلك إلا بوجود مذنب
يغفر ذنبه، كما أن من شأن الإنسان أن يذنب جاهلا أو ناسيا أو مغلوبا لغضبه أو
شهوته، ومن شأن المؤمن أن يندم إذا أذنب، ويستغفر ويكفر عن ذنبه، ومن
شأن الرب الغفور الرحيم أن يقبل التوبة، ويستجيب للمستغفرين، قال تعالى:
﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ (طه: 82) ، وقال عز
وجل: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن
يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة
من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العامل} (آل عمران: 135- 136) .
ويقابل ذلك أن من أسمائه تعالى المنتقم؛ أي: المجازي بالحق والعدل، ويجمع
بين الأمرين قوله تعالى: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو
العذاب الأليم} (الحجر: 49-50) ، ومن عقائد أهل السنة الإيمان بوعد الله
ووعيده، وأن الوعد لا يتخلف جملة ولا تفصيلا، وأن الوعيد ينفذ في الكافرين،
وفي طائفة من عصاة المؤمنين، وهم الذين لا تدركهم المغفرة، وأنه يجب على
المؤمن الخوف من الله والرجاء في الله؛ إذ لا يعلم المغفور لهم إلا الله، ولأبي