تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يفقدون بهذا التفرنج اللاتيني ما بقي فيهم من فضائل الإسلام ورابطته الملية، وما

كان لهم من الزعامة في مئات الملايين من البشر، ثم لا يقدرون على التفصي من

الوراثة القومية التي طبعتها الأجيال والقرون في أنفسهم.

فالغرض الأول لهم الآن التفصي من الإسلام بحجة الترقي العصري، وما

في الإسلام شيء مانع من الترقي الذي يطلبونه، وأساسه القوة العسكرية والثروة

والنظام، بل الإسلام يهدي إلى ذلك، ولولاه لم ينل العرب عقب اهتدائهم به من

القوة والحضارة ما فاقوا به جميع الأمم، وظلوا كذلك إلى أن سلبهم الأعاجم

سلطانهم بالقوة الهمجية، ونال الترك وغيرهم به حضارة وملكا لم يكن لسلفهم مثلها،

ولا ما يدانيها، ولو أنهم فهموا الإسلام فهما استقلاليا بإتقان لغته، والاجتهاد في

شريعته، لملكوا به الغرب مع الشرق، ولسبقوا جميع شعوب الإفرنج إلى العلوم

والفنون والصناعات، وسائر أسباب القوة والسلطان كما فعل العرب من قبلهم،

وهذا ما يطلبونه الآن بترك ما بقي لهم من تقاليد الإسلام، ويتوسلون إليه بتقليد

الإفرنج في زيهم وفجورهم، قبل إتقان شيء ما من علومهم وفنونهم، والوصول

إلى مثل قوتهم وثروتهم.

أما الزي فقد علمت مما بيناه في أول هذه الفتوى أن ما ورد في السنة وعمل

السلف فيه هو الذي اتبع المسلمين فيه أرقى أمم أوربة، وأما إباحة الفسق والفجور

فهي التي أهلكت جميع أمم الحضارات السابقة، وستهلك أوربة به أيضا كما يتشاءم

جميع حكمائها وعقلائها، وسيعلم العالم مصير الترك بمحاولة مصطفى كمال جعلهم

خلقا جديدا بهذه الطرق التي سلكها، ونسأل الله تعالى أن يقيهم سوء عاقبتها.

وجملة القول في لبس البرنيطة وغيرها من أزياء الإفرنج: إنه مباح لذاته،

وإنما يحرم بما يكون وسيلة له من ضعف الرابطة الملية، وتفضيل مشخصات

خصوم الأمة الطامعين فيها على مشخصاتها كما يقصده المتفرنجون في بلاد الترك

وأمثالها كسورية ومصر، وإذا قصد به ما يقصده ملاحدة الترك مما شرحناه في هذه

الفتوى من التوسل به إلى الكفر كان كفرا.

جواب س 6 السكروتة:

اختلف أكثر الناس في هذا النسيج الذي يرد من الشرق الأقصى ما أصله؟

كما أشير إليه في السؤال، وقد سألت عنه في العام الماضي السيد محمد بن عقيل،

إذ كان ممن اتجر به، فأجابني بأنه رديء الحرير وخشنه، وظاهره أن دوده عين

دود الحرير المعروف عندنا، فإن كان له دود آخر كما روي عن آخرين من تجاره،

ففي جعله من الحرير نظر؛ لأن الديدان والحشرات التي تبني لأنفسها بيوتا من

لعابها كثيرة، ومنها العنكبوت، وقد اتخذ الإفرنج من بيوتها قفازا لليدين كما روي

لنا، على أنني كنت عازما قبل سؤال ابن عقيل عنه على استجداد ثياب منه؛ إذ

كنت ألبسها في الصيف لخفتها في الحر، ثم تركت ذلك بعد جوابه بما ذكر.

وإنني بعد كتابة ما تقدم وقبل نشره جاءني كتاب من الأخ المحب في الغيب

خادم الإسلام الأمين، ومدير المعارف في الصين (سعيد سليمان) ، ذكر فيه أنه

مرسل إلي قليلا من الحرير الصيني هدية مودة، ثم جاءت الهدية فإذا هي من هذا

النسيج الذي نسميه (السكروتة) ، فعلمنا قطعا أنهم يسمونه حريرا.

(ج7و8) حكم التحلي بلبس الرجال الحرير:

قد ثبت نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الحرير، والوعيد عليه

بعدم لبسه في الآخرة، كما في حديث الصحيحين عن عمر وأنس (رضي الله

عنهما) ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعا (إنما يلبس الحرير في

الدنيا من لا خلاق له في الآخرة) ، وما ثبت من لبس النبي - صلى الله عليه وسلم

- له محمول على أنه كان قبل النهي عنه، وما قاله أبو داود من أنه لبس الحرير

عشرون نفسا من الصحابة أو أكثر، منهم أنس (الذي روى خبر الوعيد) ،

فيحتمل أن بعضهم لم يبلغه النهي، أو أنهم حملوه على الكراهة، كما قال به بعض

العلماء، وقووه بأنه لو كان حراما لم يلبسه مثل هذا العدد الكثير، ولا سيما مثل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٠٣