مراعاة لفظه فيجب عليه مراعاة معناه؛ ليكون التكليف بحسب الإمكان اه؛
والمراد مطلق المعنى، وإلا فمعنى النظم المعجز لا تؤديه الترجمة كما هو ظاهر.
ولا يعنينا الآن بيان وجه استدلال الإمام بالآية على ما ذهب إليه بعد أن صح
رجوعه إلى قول الصاحبين.
فظهر أن قول الثلاثة بجواز قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة لمن لا
يحسنها ليس مبناه أن الترجمة تصير قرآنا عند العجز عن أدائه بالعربية، فيفرض
عليه ذلك في هذه الحالة، بل المفروض عليه حينئذ تعلم العربي؛ لأنه القرآن
المأمور به في الصلاة، وإنما هو مبني على الاكتفاء بالمعنى في حقه لعجزه،
ولأنه الميسور له من معنى القرآن الذي هو مجموع النظم والمعنى المأمور به في
الصلاة، ولما كان أداء المفروض موقوفا على النظم العربي، وليس ذلك ميسورا
له أتى بالترجمة بدلا عنه لتقوم مقامه في أداء المعنى المفروض، مع أنها ليست
قرآنا، لأن القرآن هو كلام الله، المنزل بلغة العرب، والترجمة ليست كذلك،
وفي الدراية: قراءة غير العربي تسمى قرآنا مجازا، ألا ترى أنه يصح نفي القرآن
عنه فيقال: ليس بقرآن وإنما هو ترجمته، وإنما جوزناه للعاجز إذا لم يخل بالمعنى؛
لأنه قرآن من وجه باعتبار اشتماله على المعنى، فالإتيان به أولى من الترك
مطلقا؛ إذ التكليف بحسب الوسع اه.
وظاهر أن مسألة القراءة في الصلاة شيء، ومسألة ترجمة القرآن وقراءته
بغير اللغة العربية مطلقا شيء آخر، والكلام في الثاني دون الأول، ولا يلزم من
جواز الأول - على فرض تسليمه - جواز الثاني، حتى ينسب إلى الإمام وصاحبيه
القول بجواز ترجمة القرآن وقراءته خارج الصلاة، وكتابته بغير اللغة العربية،
وكيف ذلك وقد أجمعت كتبهم على أن الخلاف في خصوص الصلاة، وأصله أن
الأمر بالقراءة إنما هو في الصلاة دون غيرها كما أطبقوا على أنه المراد في قوله
تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾ (المزمل: 20) ، والقرآن المعروف هو
اللفظ المنزل بلغة العرب خاصة.
وفي شرح أصول البزدوي للإمام عبد العزيز بن أحمد البخاري الحنفي:
والقرآن اسم للنظم والمعنى جميعا في قول عامة العلماء، وهو الصحيح من قول
أبي حنيفة، إلا أنه لم يجعل النظم ركنا لازما في جواز الصلاة خاصة، وإنما هو
لازم فيما سواه من الأحكام الأخرى، كوجوب الاعتقاد، وحرمة كتابة المصحف
بالفارسية، وحرمة المداومة والاعتياد على القراءة بها اه.
وقد نقل أن الإمام رجع عن هذا القول في الصلاة أيضا إلى القول بعدم
جواز الصلاة بالفارسية مطلقا، فيكون النظم ركنا لازما عنده في كل حالة كما ذكره
العلامة الألوسي في تفسيره عند قوله: ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ (الشعراء:
196) ، بناء على عود الضمير إلى القرآن باعتبار معناه، وفي رواية عنه
تخصيص الجواز بالفارسية؛ لأنها أشرف اللغات بعد العربية، وفي أخرى إنها إنما
تجوز بالفارسية في الصلاة للعاجز عن العربية، وقد صحح رجوعه عن القول
بجواز القراءة بغير العربية مطلقا جمع من الثقات المحققين لضعف الاستدلال بهذه
الآية عليه كما لا يخفى، فإن الظاهر عود الضمير في الآية على القرآن بتقدير
مضاف؛ أي: وإن ذكر القرآن في الكتب المتقدمة، وهذا كما يقال: إن فلانا في
دفتر الأمير اه؛ ملخصا.
ومن هذا يعلم ما في استدلال بعضهم بقول الإمام على جواز ترجمة القرآن
بأي لغة خارج الصلاة وداخلها للقادر والعاجز؛ لأنه على رواية التخصيص
بالفارسية لا تجوز بغيرها مطلقا، وعلى رواية رجوعه إلى قول صاحبيه لا تجوز
خارج الصلاة مطلقا، ولا للقادر في الصلاة، وعلى رواية الثقات عنه تجوز
مطلقا بغير العربية في الصلاة وغيرها للقادر والعاجز، والمعول عليه رأيه الأخير
الذي صح رجوعه إليه كما هو رأي الجماعة، فكيف يصح الاستدلال بقوله على
جواز ترجمة القرآن مطلقا؟ اه. (ص31- 36) .