لماج العيش (اللماج بالفتح أدنى ما يؤكل) ، ظن الأكثرون أن هذه قوة يدوية لا
غناء فيها ولا استعداد، ولا قابلية فيه لمناجزة أضعف الجنود المنظمة، مهما يكن
نظامها ناقصا وضعيفا، وذهبت بهذا الظن هيبة الوهابيين من أنفس أولئك الظانين،
وانقطع حبل الرجاء بكثير من أولئك الراجين، وزالت مهابة الخوف من كثير من
الخائفين، وصار لطلاب الصلح بين المتحاربين أنصار كثيرون حتى من العارفين
بفساد بيت حسين وظلمهم وكونهم صنيعة الإنكليز، وشبهتهم على هذا، أن القوتين
متكافئتان، لا يرجى حقن الدماء وأمن البلاد وحرية الحج إلا بالصلح بينهما.
ولم يكن ينطق بكلمة الصلح بينهم وبين سلطان نجد قبل هذه الأيام إلا
صنائعهم ودعاة فتنتهم، ولم تردد هذه الكلمة إلا الصحف القليلة التي تنشر دعايتهم
وفي مقدمتها المقطم، فهي التي ما زالت تنشر هذه الدعوة إلى الصلح حكاية عن
بعض دعاة الشريف علي وباسم بعض محرري المقطم، وزعمت أن الوفد المصري
الذي سافر إلى جدة فمكة بأمر جلالة ملك مصر المعظم برئاسة الأستاذ الكبير الشيخ
محمد مصطفى المراغي رئيس المحكمة الشرعية العليا لم يذهب إلا للوساطة بعقد
الصلح بين الشريف علي وسلطان نجد؛ لما كان من استغاثة الشريف علي بجلالة
الملك في البرقية المشهورة التي نشرت في الصحف المصرية، ونشرناها نحن في
الجزء الخامس من المنار، وإنما يقول المقطم هذا رأيا لا رواية، ونحن نخالفه في
هذا الرأي، ونرجح أن الوفد أرسل لاختبار حالة الفريقين لا للتدخل في شؤونهما
بالفعل، إذ لا يعقل إقدام هذا المقام الجليل على مثل هذا التدخل إلا بعد العلم
باستعداد الفريقين لقبول وساطته، والعلم بأن الصلح بينهما على قاعدة بقاء الحكم
في الحجاز للشريف علي موافق للمصلحة الإسلامية العامة، وأي مصلحة للإسلام
في توطيد السلطة في الحجاز لمن يدعون أن البلاد ملك لهم، وأنه يباح لهم
التصرف فيها حتى ببيع ما شاؤوا منها للأجانب كما وقع بالفعل؟ ولهذا نعتقد أن
دعاة الفتنة الذين يحرضون الدولة المصرية على قتال الوهابيين، وفتك هذه البقية
الضعيفة من قوى المسلمين بعضها ببعض، لا تثمر لهم دعوتهم إلا الخزي في
الدنيا والآخرة.
إننا نعتقد بما لنا من الاختبار الواسع أن عقد الصلح بين الشريف علي
وسلطان نجد على قاعدة جعل الأول ملكا في الحجاز يفضي إلى المفاسد الآتية:
(1) عودة الشريف حسين إلى مكة مدعيا للخلافة الإسلامية تحت حماية
الإنكليز عملا بمقررات النهضة، فقد علمنا علم اليقين أن أولاده الملوك
البريطانيون على العراق وشرق الأردن والحجاز لا يزالون متمسكين بخلافته، وقد
صرح ولي عهده الشريف علي في (الإرادة السنية) التي أصدرها بجعل منطقة
العقبة وشرق الأردن الحجازية تابعة لشرق الأردن تحت الانتداب البريطاني
بالتعبير عن والده بالخليقة الأعظم، وإذا هو عاد إلى مكة يعود إليها الظلم والإلحاد
والإفساد والشقاق بين الحجاز وسائر حكومات الجزيرة، ولا سيما نجد، إذ يعود
هو إلى مطالبة سلطنة نجد وإمام اليمن بوجوب اتباعه من حيث هو خليفة الرسول
وأمير المؤمنين، وإلى التصدي لتنفيذ ما وضعه من النظام لوحدة البلاد العربية التي
يسميها (الممالك الهاشمية) ، ومنها أن تكون كلها تابعة له في السياسة والحرب
والإدارة العامة، وحينئذ يسمح لأمرائها بالاستقلال الإداري بشرط رد إمارة ابن
الرشيد وإمارة أولاد عايض اللتين استولى عليها سلطان نجد! ! (راجع: خطاب
عام إلى العالم الإسلامي) فأي إصلاح وخير يرجو الداعون إلى صلح هذه أولى
نتائجه؟
(2) إن الشريف حسينا صرح بالقول والكتابة والنشر بكفر الوهابية، وأنه
يجب على ولي أمر المسلمين إقامة شرع الله فيهم؛ أي: بقتالهم إلى أن يعودوا إلى
الإسلام الذي يدعيه هو كما يفهمه أو ينقرضوا، وقد اتهم هو الوهابية بمثل هذه