الصحابة يتطهرون من الدم لتواتر عنهم إذ كانوا في حروب متصلة ولم يكن
لأكثرهم إلا ثوب واحد، وقال الشافعية بالعفو عن النجاسة التي لا يدركها الطرف
كأثر رجل الذبابة، فقالت الحنابلة: بل لا بد من غسل ما تقع عليه وإن لم ير أثره.
وذهب الحنفية إلى أن كل ما يزيل النجاسة من المائعات مطهر، وكذا صقل
الجسم الصقيل: كالسيف والزجاج، وكذا الشمس والهواء والنار، وما يسمونه
انقلاب العين: كالصابون من الزيت النجس - على خلاف في بعض الفروع -
وهؤلاء نظروا إلى مراد الشارع من الطهارة وهو يحصل بذلك، قال في بداية
المجتهد: إن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطهور يزيل النجاسة وعلى الاستنجاء
بالحجارة (واختلفوا فيما سوى ذلك من المائعات والجامدات التي تزيلها، فذهب قوم
إلى أن ما كان طاهرا (فهو) يزيل عين النجاسة مائعا كان أو جامدا في أي موضع
كانت، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه،) ، ثم ذكر ما وقع من الجدال بين الحنفية
والشافعية في المسألة، وكون إزالة النجاسة تعبديا أو معقول المعنى، واضطرار
الشافعية إلى القول: بأن في الماء قوة شرعية في رفع أحكام النجاسات ليست في
غيره وإن استوى مع سائر الأشياء في إزالة العين، وأن المقصود إنما هو إزالة
ذلك الحكم الذي اختص به الماء لا ذهاب عين النجاسة، بل قد تذهب العين ويبقى
الحكم، (قال) : (فباعدوا المقصد، وقد كانوا اتفقوا مع الحنفيين على أن طهارة
النجاسة ليست حكمية؛ أعني: شرعية؛ ولذلك لم تحتج إلى نية - إلى أن قال في
هذا المعنى - وإنما يلجأ الفقيه إلى أن يقول: عبادة. إذا ضاق عليه المسلك مع
الخصم فتأمل ذلك، فإنه بين من أمرهم في أكثر المواضع. اه؛ أقول: ومن
الغريب أن الذين قالوا: بأن أحكام النجاسة وإزالتها تعبدية أدخلوا فيها القياس
كقياسهم بدن الكلب وشعره على لعابه، وقياس الخنزير على الكلب في كونه يغسل
مما أصابه سبع مرات إحداهن بالتراب.
وكان الحامل لهم على هذا التشديد في أمر النجاسة القول بوجوب إزالتها،
وجعله شرطا لصحة الصلاة، وهذا محل خلاف أيضا. (قال) في بداية المجتهد:
وأما الطهارة من النجاسة فمن قال: إنها سنة مؤكدة فيبعد أن يقول: إنها فرض في
الصلاة، ويجوز أن لا يقول ذلك، وحكى عبد الوهاب عن المذهب (أي: مذهب
مالك) قولين: أحدهما: أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة في حال القدرة
والذكر، والقول الآخر: أنها ليست شرطا، والذي حكاه من أنها شرط لا يتخرج
على مشهور المذهب من أن غسل النجاسة سنة مؤكدة إلخ.
وقد استقصى الشوكاني في نيل الأوطار كل ما استدلوا به على اشتراط
الطهارة من النجاسة في صحة الصلاة وبين أنه ليس فيه شيء يدل على الشرطية،
ولكن قد يدل بعضها على وجوب إزالتها، قال: وكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده
مذهب ضعيف، وبين مطلق الوجوب والشرطية بون بعيد. اه.
وجملة القول: إن القطعي المجمع عليه هو أن الطهارة مطلوبة شرعا، وأن
المفروض منها هو الوضوء، والغسل من الجنابة والحيض والنفاس بالماء والتيمم
عنهما عند فقد الماء أو التضرر باستعماله، وأن مراد الشارع منها النظافة مع
مراعاة اليسر، وعدم الحرج كما قال تعالى بعد آية المائدة {ما يريد الله ليجعل
عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} (المائدة: 6) ، وإزالة النجاسة أولى
بهذا؛ ولذلك ترك تفصيل أمرها لاجتهاد الأمة، فاختلف اجتهاد علمائها بما ذكرنا
المهم منه مجملا. فنظر بعضهم إلى أكمل ما يحصل به مراد الشارع: كالشافعية،
والحنابلة، وبالغوا فيه، ونظر بعضهم إلى أدنى ما كلفته الأمة، وأيسر ما يطلب
من بدوها وحضرها وغنيها وفقيرها؛ كالمالكية وتوسط بعضهم فشددوا في بعض
الفروع وتساهلوا في بعض: كالحنفية.
وقد تقدم أن الأئمة لم يكونوا يعدون اجتهادهم تشريعا عاما تكلفه الأمة كما تكلف
العمل بنصوص الكتاب والسنة القطعية الرواية والدلالة، ولا سببا للتفرق في