تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

متفق عليه والجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، يمنعون التضحية بالجذع من المعز،

ومنه على قول حديث طلق بن علي: إنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -

الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ فقال صلى الله عليه وسلم له: (إنما هو بضعة

منك) رواه أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، والدارقطني، وصححه بعضهم،

واختلفوا في التصحيح والترجيح بينه وبين حديث بسرة عند الخمسة أيضا (من

مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ) ، والمحققون من أهل الحديث على ترجيح

حديث بسرة، وأما العمل فقد روي الخلاف فيه عن بعض كبار الصحابة والتابعين

وأهل البيت وعلماء الأمصار.

وحمل الشيخ عبد الوهاب الشعراني الحديثين في ميزانه على مرتبتي التخفيف

والتشديد: أي العزيمة والرخصة كما فعل في جميع مسائل الخلاف، وعلل ذلك

بعلل بعضها معقول، وبعضها لا يعرف مثله إلا عن جماعته الصوفية: ككون سؤر

الكلب يقسي قلب من شربه، أو شرب من الإناء الذي ولغ فيه قبل غسله سبع

مرات إحداهن بالتراب، وقد وافقه علماء عصره في مصر على قاعدته في إرجاع

جميع مسائل الخلاف إلى المرتبتين، وكون أصلها كلها مستمدة من عين الشريعة

على ما في توجيه الكثير منها من البعد، ولعله لرضاهم عن بناء ذلك على

الاعتراف بأن جميع الأئمة المجتهدين على هدى من ربهم؛ وهذا حق من حيث إن

المجتهد إذا أصاب كان له أجران، وإذا أخطأ كان له أجر واحد كما ورد في

الحديث الصحيح، ولكن لا يمكن أن يكون كل اجتهاد صوابا وهدى، وكل قول قاله

مجتهد حقا، وأما العزائم والرخص في الشريعة فحق لا ريب فيه، وفي الحديث

المرفوع (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) رواه أحمد

وابن حبان والبيهقي وصححوه، وهو عام، وليست العزائم للخواص والرخص

للعوام، إلا من حيث الخلق والطبع، لا الشرع، وأظهر المسائل في قاعدة

الشعراني ما يدخل في أبواب الطهارة، فإن القطعي منها في القرآن أن الماء مطهر

وطهور، وأن الله يحب المتطهرين، وأن طهارتي الوضوء والغسل فرضان

وشرطان للصلاة، وقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (المدثر: 4) ، وقوله في

القرآن ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة: 79) ، وأن التيمم واجب عند تعذر

استعمال الماء لفقده أو للمرض.

وأما السنة فلم يرد فيها تفصيل قطعي لأعيان النجاسات وأنواع المطهرات،

وكان الأعرابي يجيء من البادية؛ فيسلم، فيعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم -

بنفسه أو يأمر أصحابه بتعليمه ما أوجب الله عليه من الوضوء والغسل والتيمم

وأركان الإسلام، وحديث الأعرابي الذي هو عمدة الفقهاء في تحديد أركان الإسلام

مشهور.

ولو كان هنالك نجاسات حكمية تطهيرها تعبدي تتوقف معرفتها على نصوص

تفصيلية خاصة؛ لنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تلقينها للأعرابي

وأمثاله، كسائر قواعد العبادة التي كان يتعلمها كل من أسلم، ويبلغه الشاهد الغائب،

كما كانوا يعلمونهم الوضوء والغسل والصلاة مثلا، ولم تترك النصوص المجملة

الواردة في الطهارة وطلب النظافة بغير بيان تفصيلي، والذي يفهمه أهل لغة

الشرع من ذلك الإطلاق هو طلب التنزه عن جميع الأقذار، والتطهر مما يصيب

البدن أو الثوب أو المكان منها؛ ليكون المؤمن نظيف الظاهر بقدر ما يتيسر له

حسب حاله واجتهاده، كما يجعله الإيمان نظيف الباطن - فالنجس في اللغة هو

المستقذر الذي تنفر منه الطباع، ولفظ النجس لم يرد في القرآن إلا في قوله

تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام﴾ (التوبة: 28) ،

الآية والمراد به: النجاسة المعنوية لا الحسية، إلا في قول للشيعة، وورد لفظ

الرجس في تسع آيات أكثرها قطعي في الرجس المعنوي، واحتمال الحسي في

موضعين: أحدهما قوي وهو قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما

على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} (الأنعام: 145) : أي الخنزير أو كل ما ذكر. وثانيهما ضعيف جدا وهو قوله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٧٦