تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال صلى الله عليه وسلم: (تسرولوا وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب) أي فأمر

بمخالفتهم بالجمع بين الأمرين، ولم يأمر بترك السراويل ألبتة لمخالفتهم؛ إذ الغرض

أن يكون للمسلمين مشخصات من العادات خاصة بهم، ولا يكونوا تابعين

لغيرهم؛ لأن الاستقلال في العادات وغيرها، مما يعد من مشخصات الأمم التي

تعرف بها، يزيد استقلال الأمة في مقوماتها الملية: كالدين واللغة والآداب، وما

يسمونه الثقافة القومية قوة ورسوخا.

لهذه العلة أجاب عمر (رضي الله عنه) معاوية وغيره ممن طلبوا منه أن

يتجمل أمام أهل بلاد الشام؛ لأنهم اعتادوا أن يروا حكامهم من الروم في مظاهر

عظيمة من الزي وغيره - فقال ما معناه: جئنا لنعلمهم كيف نحكم لا لنتعلم منهم،

ولهذا الغرض نفسه كان يوصي قواده الفاتحين لبلاد الأعاجم وعماله فيها

بالمحافظة على عادات العرب وزيها، وينهاهم عن التشبه بالأعاجم.

روى مسلم في صحيحه عن أبي عثمان النهدي قال: كتب إلينا عمر ونحن

في أذربيجان: يا عتبة بن فرقد إنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك،

فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل

الشرك ولبوس الحرير، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبوس

الحرير إلا هكذا.. . ورفع لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصبعيه

الوسطى والسبابة وضمهما اه. وعتبة هذا كان قائد جيش عمر هنالك. قال النووي

في شرح مسلم: ومقصود عمر (رضي الله عنه) حثهم على خشونة العيش

وصلابتهم في ذلك، ومحافظتهم على طريقة العرب في ذلك، وقد جاء في هذا

الحديث زيادة في مسند أبي عوانة الإسفراييني وغيره بإسناد صحيح قال: أما بعد

فائتزروا، وارتدوا، وألقوا الخفاف والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل،

وإياكم والتنعم وزي الأعاجم، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب، وتمعددوا،

واخشوشنوا، واقطعوا الركب، وابرزوا وارموا الأغراض اه.

فقد أمرهم بإلقاء الخفاف والسراويلات، وكانوا يلبسونها في عهد النبي -

صلى الله عليه وسلم - بإذنه كما أمرهم بغير ذلك من لبوس العرب وعاداتهم،

ليحافظوا على مشخصاتهم فلا يندغموا في الأعاجم، ولولا ذلك لاندغموا في

الأعاجم بدلا من تعريبهم لهم، والتمعدد التشبه بمعد بن عدنان، وكان شديد القوة

والبأس، يؤثر الخشونة في العيش على الترف والرخاوة , وقوله: واقطعوا الركب

هو بضمتين جمع ركاب - ككتاب وكتب - أي: اقطعوا ركب شروجكم، فهذه

الأوامر والنواهي ليست دينية مفروضة على كل مسلم، بل هي من سياسة الإسلام

التي تطلب من جمهور الأمة في مثل هذه الأحوال، ولحكامهم أن يلزموهم إياها

شرعا، وعليهم طاعتهم فيها إن كانت لتقوية بناء الأمة ورفعة شأن الملة.

وقد التزم هذه السياسة العربية الإسلامية في هذا العصر الشعب الإنكليزي،

ولا سيما في مستعمراته، فهو يتحرى أن يكون ممتازا أو متبوعا؛ ولذلك كان

أعز الشعوب نفسا وأعلاهم همة وقدرا. وقد رأيت السيد عليا ملاحظ أو وكيل

الشحنة (البوليس) في آغره من الهند يلبس قلنسوة (برنيطة) بريطانية،

فكلمته في لبسها وما فيه، وسألته: هل هو شرط رسمي في عمله؟ فقال: إن

الإنكليز يمنعون أهل الهند رسميا من لبس هذه البرانيط؛ لئلا يتشبهوا بهم فلا

يلبسها أحد إلا بإذن خاص، ولا يعطى هذا الإذن لكل أحد، وقد أعطيته بعد

أن طلبته؛ لأن التجوال في الشمس عامة النهار يؤذي رأسي.

(للبحث بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) المنار: المراد بالكوعين الكوع والكرسوع على التغليب، فالكوع طرف عظم الساعد أو الزند

من جهة إبهام اليد، والكرسوع الطرف الآخر الذي يلي الخنصر، وما بينهما يسمى الرسغ بالضم.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٦٥