الله عليه وسلم - أردف الفضل بن العباس خلفه في سفر حجة الوداع، فعرضت له
صلى الله عليه وسلم امرأة خثعمية جميلة تسأله، فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ
النبي - صلى الله عليه وسلم - بذقن الفضل يحول وجهه عن النظر إليها. وفي
رواية الترمذي للقصة أن العباس قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لويت عنق
ابن عمك؟ فقال: (رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة) فالنبي - صلى الله
عليه وسلم - لم يأمر المرأة بستر وجهها، ولم يأمرها ولا أمر الفضل بعدم نظر كل
منهما إلى الآخر، إلا أنه حول وجه الفضل عنها؛ لما رآه يتعمد إطالة النظر إليها
فعلم أنه عن شهوة. ولذلك ورد أن النظرة الأولى للمرء والثانية عليه، وهذا بعد
نزول آية الحجاب بخمس سنين، وقد استدل به من السنة العملية، على أن
الحجاب المنصوص في سورة الأحزاب خاص بنساء النبي - صلى الله عليه
وسلم - كما هو صريح الآيات، ولا سيما قوله تعالى في أولها: {يا نساء النبي
لستن كأحد من النساء} (الأحزاب: 32) إلخ.
وتعليلهم المتقدم لكون الوجه والكفين لا يجب سترهما بالحاجة إلى كشفهما
للبيع والشراء والأخذ والإعطاء، وبما في التغطية من المشقة؛ صريح في عدم
قصر كشفهما على حال الصلاة. ومن حرم كشف الوجه والكفين من الفقهاء
- كالنووي من الشافعية - عللوه بخوف الفتنة، وهو أمر عارض لا أصل ولا غالب
في النظر، فهو يراعى في الأحوال التي هي مظنة الفتنة، وليست دائمة ولا غالبة،
فإن البر والفاجر من جماهير الناس يرون أبرع النساء جمالا في شوارع الأمصار
العامة، ولا يكاد يفتتن أحد منهم برؤيتهن، على أن الكثيرات منهن يخرجن
متبرجات بكل ما أباحته حرية الفسق من زينة وتهتك وإغراء، وإنما يفتتن بعض
الفجار الذين يبحثون عن الفواجر، فمن يريد التحري لدينه من رجل وامرأة فلا
يخفى عليه، ما كان مظنة الفتنة الواجب عليه اجتنابها والبعد عن مواقف الشبهة
ومواضع الريبة. ولم يكن الأمر بالستر في عصر التشريع إلا لأجل هذا، وقد أبيح
للإماء كشف رؤوسهن مع وجوههن، ومن العلماء من قال: إن عورة الأمة كعورة
الرجل، ما بين السرة والركبة، وربما كانت الفتنة فيهن أشد؛ لأن الوصول إليهن
أيسر، والعفة فيهن أقل وأضعف، ويجب عليهن ما يجب على الحرائر من صيانة
أعراضهن، ويحرم عليهن من الفجور ووسائله ما يحرم عليهن، ولا يقول فقيه
بإباحة تعرضهن للفتنة، فإذا وجدن في مكان يتعرض فيه الفجار لهن فعليهن أن
يسترن رؤوسهن ووجوههن أيضا وإلا فلا.
وإنا لنعلم أن المتفرنجين من المسلمين يبغون برفع أدب الحجاب عن
المسلمات التوسل إلى مثل إباحة نساء الإفرنج كما فعل الترك، فليحذر المسلمون
الحريصون على دينهم وأعراضهم وأنسابهم ذلك، فإن الخوف من هذه العاقبة هو
الذي يحمل أهل الدين - من صنف العلماء وغيرهم - على إطلاق القول: بوجوب
كذا من الحجاب، وتحريم كذا من السفور مثلا. والتحريم والتحليل الدينيان حق الرب
وحده على عباده فهو يتوقف على النص، والنص عام وخاص، ومطلق ومقيد،
وتطبيق النصوص على الوقائع والنوازل أعسر مسلكا من معرفة النصوص وفهم
معانيها، ولذلك ورد في الحديث (استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك) رواه
أحمد والدارمي وأبو يعلى من حديث وابصة مرفوعا.
وأما صوت المرأة فليس بعورة فما زال النساء يكالمن الرجل في إفادة العلم
واستفادته، حتى نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المحاكمات والشهادات
والمبايعات وغير ذلك من المعاملات: كخطبة النكاح، وكذا الخطب السياسية بغير
نكير. وقال الله لنساء نبيه في آيات الحجاب: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي
في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} (الأحزاب: 32) .
***
مسائل اللباس والزي
قد حققنا هذه المسألة في كتابنا (الحكمة الشرعية) الذي هو أول مؤلفاتنا، ثم
عدنا إليه في المنار مرارا، وصفوة القول فيه: إن الدين الإسلامي لم يفرض ولم