تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو تصورنا أنه مضى شهرٌ لم يراجع فيه الزوجُ زوجتها المطلقة ، فالقضية أكبر ، فجاءها الدورة ، القرء ، ثم جاءها الطهر ، فدخلت في مرحلة ثانية ، أيْ شهر ثانٍ ، وهي في بيته تتزين له ، وتُعِدُّ له الطعام ، وهي في البيت عنده ، وتحت سمعه وبصره ، وفي متناول يده ، فلعل هذا اليمين كان ظالماً ، ولعله كان في ساعة غضب ، أو كان في ساعة طَيْش ، أو كان مضغوطاً خارج المنزل ، فالشرع حكيم ، فمحافظة على هذه العلاقة المقدَّسة ، التي هي أقدس علاقة على الإطلاق ، إذْ عقد الزواج هو أقدس عقد ، وهذا هو الميثاق الغليظ ، فمن أجل المحافظة عليه ، وذلك أن الزواج وجد ليبقى ، ولم يوجد لينهار ، فلها أن تتربَّص بنفسها شهراً آخر ، لمجرد أن يراجعها قولاً أو عملاً ، فأصبحت زوجته ولكن حُسِبَت طلقة ، أعطاه أول فرصة أو أول قرء ، أيْ شهرًا ، ثم حاضت وطهرت وبدأ القرء الثاني ، أيْ شهر ثانٍ ، ثم حاضت وطهرت وبدأ القرء الثالث ، أيْ شهر ثالث ، فعندما ينتهي القرء الثالث أو الطهر الثالث ، وتأتي الدورة ، وتمضي ، وتتطهر هذه المرأة ، ملكت نفسها ، فقد أعطينا الزوج ثلاثة قروء ، أو ثلاثة أطهار مع ثلاثِ حيضات ، أي تسعين يومًا ، فإذا كان الأمر لا يحتمل ولا يُقْبَل ، ولا يستساغ ولا يستمر في البعد عن زوجته هذه المدة !! أرأيت إلى حكمة الشرع ، طلق تطليقة ، وهذه التطليقة مع تسعين يومًا فرصة كي يراجعها ويستعديها ، وتعود زوجته كما كانت ، ولذلك قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2)

( سورة الطلاق )

مَن يتق الله في تطليق زوجته يطلقها طلاقاً سنياً ، يجعل الله له مخرجاً إلى استعادتها ، وأغلب الظن أنّ الإنسان يحب زوجته ، وأغلب الظن أنّه يطلِّق في ساعة غضب ، وأغلب الظن أنّ الأمر الذي رآه كبيراً يتضاءل .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٣١٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٣١٣