تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة الإسلامية

(3)

21- مقاصد الناس في الخلافة وما يجب على حزب الإصلاح:

الأمور بمقاصدها، ومقاصد الناس في الخلافة مختلفة، وقلما يقصد أحد منهم

إقامة الخلافة الصحيحة الشرعية التي بينا حقيقتها وأحكامها، ذلك بأن أكثرهم لا

يعقلها، ومن يعقلها من غير الأكثرين يظنون إقامتها متعذرة، وأنه لا مندوحة عن

الرضا بخلافة الضرورة، التي لا تراعى فيها جميع الشروط الشرعية، ولا جميع

ما يجب على الخليفة والجماعة، ثم هم يختلفون في حد هذه الضرورة لاتساع مجال

الرأي والهوى فيه حتى لا يبقى بينهم وبين من لا يعرفون حقيقة هذا المنصب

ومنافعه كبير فرق، ولو عرفها السواد الأعظم لتمنوها، ولو وضع نظام لإقامتها

ودعوا إليه لأجابوا، وبذلوا في سبيله ما استطاعوا.

باحثت كثيرا من خواص المصريين المعممين وغير المعممين في هذه

المسألة فألفيتهم متفقين على أن القصد من تأييد الخلافة الجديدة التي ابتدعتها حكومة

أنقرة الجمهورية في الآستانة - خذلان الدولة البريطانية في دسائسها التي ترمي بها

إلى جعل هذا المنصب الإسلامي الرفيع آلة في يدها فيما كانت تسعى إليه من

اصطناع الملك حسين في مكة والسلطان وحيد الدين في الآستانة وما آل إليه سعيها

من الجمع بينهما بعد تهريبها الثاني إلى مالطة، ولم يقصد أحد من المصريين بتأييد

الخليفة الجديد بالتهنئة ولا المبايعة أن يكون له على بلادهم حق إمام المسلمين

الأعظم على الأمة من كون حكومتهم تابعة له وخاضعة لسلطانه فيما يرى فيه

المصلحة من نصب أمرائها وحكامها وعزلهم وجباية المال وأخذ الجند للجهاد، ولا

غير ذلك من وظائف الخلافة التي ذكرها علماء الإسلام؛ وهذا كما ترى غرض

سياسي فائدته سلبية والباعث عليه الشعور الإسلامي العام الذي ولده الضغط

الأجنبي ومحاولة هذه الدولة لاستعباد الشعوب الإسلامية التي بقي لها بقية من

الاستقلال، ولا سيما الترك والعرب، وهو لا يتوقف على وجود الخلافة الصحيحة

ولا الإمام الحق والجماعة، بل هو من قبيل المظاهرة السياسية للزعيم السياسي

سعد باشا زغلول بل دونها قوة، لأجل هذا لا يبالون ما كانت شروط هذه الخلافة

وأعمالها، ومثلهم في ذلك سائر مسلمي أفريقية وأمثالهم من المستذلين للأجانب،

على أن هؤلاء يتمنون لو يكونون تابعين للدولة التركية ويعلمون أن ذلك متعذر،

ولكن ساسة المصريين لا يتمنى أحد منهم ذلك.

ومسلمو الهند أشد عناية من سائر مسلمي الأرض بهذا الأمر، ونصرهم

للخلافة التركية إيجابي وسلبي لا سلبي فقط، ولا يرضون أن تكون خلافة روحانية

لا حكم لها ولا سلطان، فإذا تساهلوا في بعض شروطها التي يوجبها مذهبهم الذي

يتعصبون له أشد التعصب بشبهة الضرورة، فلا يتساهلون في أصل موضوعها

والمقصد الذي شرعت لأجله، وهو إقامة أحكام الشرع الإسلامي في العبادات

والمعاملات المدنية والسياسية وغيرها - فهم يحتمون أن يكون الخليفة - وإن متغلبا -

رئيس الحكومة الإسلامية الأعلى، ثم لا يسألون بعد ذلك أقام أحكام الشرع أم لا،

بدليل ما كان من تعصبهم لعبد الحميد الذي جعل نفسه فوق الشرع والقانون -

فكان مستبدا في كل شيء - ثم لمحمد رشاد الذي لم يكن بيده من الأمر شيء وكذا

للاتحاديين الذين سلبوه كل شيء، ثم لوحيد الدين إلى أن فر مع الأجانب مغاضبا

لقومه ولسائر المسلمين.

فإذا ظل هذا منتهى شوطهم، فلا حياة للخلافة الصحيحة بسعيهم، ولا حاجة

إلى تأليف حزب أو جمعية غير ما عندهم، ويمكن على هذا إرضاؤهم بالخلافة

الروحية بحيلة لفظية، كأن تشترط الحكومة الفعلية على من تسميه خليفة أن يفوض

إليها أمر الأحكام كلها أو ما يسمونه الآن في عرف القوانين بالسلطتين التشريعية

والتنفيذية. وان كان يعلم هو وسائر الناس أن التفويض الصحيح في الشيء إنما

يكون ممن يملكه ويكون مختارا فيه، وأنه لا يسلبه حق مراقبة المفوض إليه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٤٦