....
الحديث. ثم ذكر بسنده من طريق عبد الله بن المبارك عن أم خالد بنت
خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي وعلي قميص
أصفر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سنه سنه) قال عبد الله: وهي
بالحبشية حسنة. الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في كلامه على الآيتين من ترجمة الباب: كأنه أشار إلى
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف الألسنة؛ لأنه أرسل إلى الأمم كلها على
اختلاف ألسنتهم فجميع الأمم قومه بالنسبة إلى عموم رسالته فاقتضى أن يعرف
ألسنتهم؛ ليفهم عنهم ويفهموا عنه، ويحتمل أن يقال: لا يستلزم ذلك نطقه بجميع
الألسنة لإمكان الترجمان الموثوق به عندهم. اه.
أقول: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطي العلم بجميع اللغات ليفهم
عن جميع الأمم التي أرسل إليها ويفهموا عنه لكان ذلك من أعظم المعجزات الحسية
التي لا يمكن لأحد أن يكابر فيها ولتحققت العلة بخطابه للأعاجم الذين بدأ بدعوتهم
إلى الإسلام كهرقل قيصر الروم وكسرى الفرس والمقوقس عظيم القبط، ولكن
صح أنه كتب إليهم بالعربية، ولم ينقل قط أنه دعا أعجميا إلى الإسلام بلغته، ولا
أنه سمع من أعجمي كلاما بلغته في شأن الإسلام، ولا أمر أصحابه وأتباعه بأن
يبلغوا الإسلام للأعاجم بلغتهم، بل الذي ثبت ثبوتا قطعيا خلاف ذلك، وهو أنه كان
يدعو إلى الإسلام هو وأصحابه باللسان العربي وبالقرآن العربي، وكانوا يعلمون
كل من أسلم من الأعاجم اللسان العربي ولذلك انتشر هذا اللسان بانتشار الإسلام منذ
العصر الأول من غير مدارس أنشئت لذلك ولا إجبار للأمم التي فتح الصحابة
والتابعون وتابعو التابعين بلادهم كما تفعل أمم أوربة في البلاد التي يستعمرونها،
بل كان الذين يدخلون في الإسلام يتعلمون لغته لأجل القيام بما فرض الله عليهم من
التعبد بكتابه المنزل، والتفقه فيه، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله هذا البحث في أول رسالته في أصول
الشريعة فذكر الآيات التي تصف القرآن بأنه عربي مبين، وآية {وما أرسلنا من
رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} (إبراهيم: 4) وذكر الاحتمالين المشار إليهما:
هل النبي صلى الله عليه وسلم أوتي ألسنة جميع من أرسل إليهم أم كلفوا هم أن
يعرفوا لسانه كما كلفوا أن يعرفوا دينه؟ وجزم بالثاني وأقام عليه البراهين ووافقه
جميع علماء المسلمين؛ فلم ينقل عن أحد من المجتهدين ولا المقلدين أنه عارضه
فيه أو أنكره عليه، وقد فصلنا ذلك في مقالتين ننشرهما في الجزء العاشر الآتي.
فالمسألة إجماعية وقد عجبت لسهو الحافظ ابن حجر عنها في هذا المقام على سعة
اطلاعه وذكره لخلاصة أقوال المحققين في شرح كل حديث في الباب اللائق به،
وقد ذكر أن الغرض من حديث جابر هنا أن كلمة (سور) بضم السين وسكون
الواو غير مهموز فارسية، وقيل حبشية وأن معناها الطعام الذي يدعى إليه، وقيل
مطلقا. كما أن كلمة (سنه) حبشية، وقال: إنها في رواية الكشميهني (سناه)
بزيادة ألف، وإن الهاء فيهما للسكت (قال) قال ابن قرقول: بفتح النون الخفيفة
عند أبي ذر وشددها الباقون، وهي بفتح أوله للجميع إلا القابسي فكسره اه.
وروى البخاري في هذا الباب حديثا ثالثا عن أبي هريرة وهو أن الحسن بن
علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم له:
(كخ كخ، أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة) .
وقد قال الحافظ بعد إيراد الثلاثة: وقد نازع الكرماني في كون الألفاظ الثلاثة
أعجمية؛ لأن الأول (وهو سور) يجوز أن يكون من توافق اللغتين. والثاني
(وهو سنه) يجوز أن أصله حسنة فحذف أوله إيجازا، والثالث من أسماء
الأصوات.
وقد أجاب عن الأخير ابن المنير فقال: وجه مناسبته أنه صلى الله عليه وسلم
خاطبه (أي الحسن) بما يفهم مما لا يتكلم به الرجل مع الرجل فهو كمخاطبة