انتقاد المنار لكتاب خلافت وحاكميت ملية
هذا ما لخصه قلم الترجمة لجريدة الأهرام من كتاب (خلافت وحاكميت ملية)
لم نحذف منه إلا بعض الجمل الاستطرادية للمترجم الذي فاته بعض المسائل المهمة
منه، وما ارتآه في تعيين مؤلفيه بإيعاز حكومة أنقرة التي نشرته.
أما كون الكتاب قد نشرته (إدارة الاستخبارات التركية الرسمية) فإننا نعلمه
ولا نشك فيه، وأما كون جامعه ومؤلفه فردا أو جماعة فلا شأن له عندنا فإننا ننظر
إلى القول لا إلى القائل، وإننا ننتقد أهم ما نراه في هذه الخلاصة منتقدا فنقول:
(1) قولهم: (إن الخلافة ليست من مسائل الدين بل هي مسألة دنيوية
وسياسية) إن أرادوا به أنها ليست من المسائل الاعتقادية المحضة؛ لأنها عملية
وليست من العبادات، بل هي من الأحكام الشرعية العملية التي يعبر الفقهاء عنها
بالمعاملات - فقولهم يكون صحيحا، لكنه لا يفيد ما يظهر أنهم قصدوه به وإن كان هو
اللائق باطلاعهم، وإن أرادوا به أنها من الأمور الدنيوية المباحة التي لم يوجبها
الدين الإسلامي، فقولهم باطل بإجماع المسلمين كما بين ذلك المتكلمون والفقهاء،
ولو ترجم لنا الكتاب كله لأمكننا منه معرفة مرادهم، قال صاحب جوهرة التوحيد:
وواجب نصب إمام عدل ... بالشرع فاعلم لا بحكم العقل
(2) تقسيمهم الخلافة إلى حقيقية وصورية، تقسيم مبتدع، وإنما قسمها
علماء العقائد والفقه إلى إمامة حق، وهي ما كانت على الوجه الشرعي من اختيار
أهل الحل والعقد للمستجمع للشروط، وإمامة تغلب وهي ما يقابلها، وقد فصلنا ذلك
في كتاب (الخلافة) والخلافة الحقيقية قد تكون كاملة كخلافة الراشدين ومن كان
على هديهم كعمر بن عبد العزيز، وقد تكون ناقصة على تفاوت في النقص؛ إذ
بعضه يقرب من الكمال وبعضه يبعد عنه.
وقد اشترطوا في الخليفة الحقيقي شروطا لم يقل بها أحد من أهل السنة ككون
شفقته على جميع المسلمين كشفقته على بنيه وعدم انحرافه عن الشرع قيد أنملة،
ويقرب هذا من اشتراط بعض الشيعة فيه العصمة.
(3) قد فات ملخص الكتاب بالعربية أن يذكر زعم مؤلفي الكتاب أن
الخلافة الحقيقية محصورة في الراشدين واستدلالهم على هذا بحديث (الخلافة بعدي
ثلاثون سنة، ثم تكون ملكا عضوضا) وحكمهم بصحته كما في (ص13) .
ونقول: قد اشتهر هذا الحديث على الألسنة - على عدم صحته - لسببين:
(أحدهما) أنه يذكر في دلائل النبوة، وما كان كذلك لا يعنى العلماء عادة
بإعلاله؛ إذ لا يخشى منه إثبات شيء باطل.
(وثانيها) أن أعداء بني أمية كانوا يقصدون به الطعن في خلافتهم
فيروجونه لذلك. وقد ذكر معناه النسفي في كتاب العقائد، واستدل له شارحها
العلامة التفتازاني به باللفظ الذي حاء في كتاب (خلافت وحاكميت ملية) ثم
قال: هذا مشكل؛ لأن أهل الحل والعقد من قد كانوا متفقين على خلافة الخلفاء
العباسية، وبعض المروانية كعمر بن عبد العزيز مثلا، ولعل المراد أن الخلافة
الكاملة التي لا يشوبها شيء من المخالفة وميل عن المتابعة تكون ثلاثين سنة،
وبعدها قد تكون وقد لا تكون ا. ه كلام السعد.
وقال ملا أحمد في حاشيته عليه: إن الحديث أخرجه الترمذي في الفتن
والنسائي في المناقب وابن حبان من حديث سفينة بألفاظ متقاربة، وأخرجه أبو داود
بلفظ: (خلافة النبوة ثلاثون ثم يؤتي الله الملك من يشاء) . اه.
أقول: حديث سفينة رواه الإمام أحمد أيضا ولفظه عند غير أبي داود: (ثم
ملك بعد ذلك) ولم أره في النسائي. وقد انفرد به سعيد بن جهمان عنه عندهم كلهم،
وقال الترمذي: حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان ولا نعرفه
إلا من حديثه اه. والصواب أنه ضعيف وإن وثق أحمد سعيدا فقد ضعفه غيره،
والجرح مقدم على التعديل، وقد بينوا سببه، قال يحيى بن معين: روى عن سفينة
أحاديث لم يروها غيره، وأرجو أنه لا بأس به، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا