تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…

أو

…

وإذا عظم الخطب يتقرب إليه بعجل أو خروف ينذره له، وإذا

أبطأت الإغاثة يشد رحله إلى قبره ويستنجده بالقرب منه مع اعتقاده أن القرب عنده

كالبعد في إحاطة علمه بالغيوب كإحاطة قدرته بالعالم، ولذلك يقولون للولي عند

قبره: (يا سيدي: العارف لا يعرف) وقد صح عندنا أن بعض أصحاب العمائم

الكبرى يقولون ذلك، ومن المروي في الكتب عن الجيلي أنه متصرف في اثني

عشر عالما أحاطيا، السموات والأرض واحد منها.

وناهيكم بشد الرحال إلى احتفالات الموالد التي تتخذ أعيادا ومواسم دينية لهم،

واجتماع مئات الألوف من الرجال والنساء والأطفال في كل مولد يقام لهؤلاء

المتصرفين في الكون الذين يقضون مصالح الناس في الدنيا وينجونهم من عذاب الله

في الآخرة مهما تكن جرائمهم وفواحشهم، ومن المشهور الذي يكاد يبلغ درجة

التواتر أن المعسرين منهم يقترضون الأموال بالربا الفاحش لأجل إنفاقها في المولد،

على أن الكثيرين من هؤلاء الذين يسخون بالألوف في هذه السبيل - وإن رهنوا في

ضمان قروضها أطيانهم - أشحة بخلاء ربما يقتل أحدهم أخاه أو أباه لأجل جاموسة

أو مال قليل.

هذا تذكير وجيز بمعنى التصرف في الكون وما له من سوء التأثير في إفساد

الدين والدنيا. وتجد رجال الشرع يشاركون رجال الطرق المنسوبة إلى الصوفية

في إقامة هذه الموالد وحضور دعواتها، وأكل نذورها، حتى ما كان مسيبا للسيد

البدوي من العجول والخرفان، كالسوائب التي كانت تسيب للأصنام، ولا يرون في

هذا حرجا ولا إفسادا؛ لأنه داخل عندهم في باب كرامات الأولياء الواسع الذي لا

حد له، وقد قال صاحب الجوهرة تبعا لغيره من مؤلفي العقائد رضي الله عنهم

وأرضاهم:

وأثبتن للأوليا الكرامه ... ومن نفاها فانبذن كلامه

كما أن منكرات القبور التي تعد بالعشرات والمئات في بنائها ووضع السرج

عليها واتخاذها مساجد وتشييدها وما فيها من مفاسد اجتماع النساء والرجال والأطفال

- كل ذلك يقرر ولا ينهى عن شيء منه؛ لأنه يدخل في باب ما ورد من استحباب

زيارة القبور للرجال؛ لأجل تذكر الموت والآخرة، فالأمر المستحب يرتكب لأجله ما

لا يعد من كبائر المعاصي التي لعن الشارع مرتكبيها كمتخذي القبور مساجد وواضعي

السرج عليها وزيارة النساء لها وغير ذلك مما وردت فيه الأحاديث الصحيحة.

إعطاء الله حق التصرف في ملكه للبدوي:

بعد هذا أقول كلمتي في موضوع السؤال وأقفي عليها بكلمة في الكرامات

موضوع السؤال: زعم ذلك الخطيب أن الله تعالى قد أعطى السيد أحمد البدوي

الميت صاحب القبر المشهور في طنطا حق التصرف في ملكه العزيز.

ليست هذه المسألة مسألة جواز الكرامات ووقوعها وما فيها من خلاف لا يعد

من أصول الدين وعقائده ولا من فروعه، بل هي مسألة تتعلق بأصول عقائد الدين؛

لأنها إسناد شيء إلى الله تعالى لا يمكن العلم به إلا منه عز وجل، وقد انقطع

الوحي عنه تعالى بموت خاتم النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله،

ولا طريق للعلم الصحيح عنه تعالى غير الوحي، وقد قال تعالى في بيان أصول

كبائر الكفر والفسق: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم

والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا

تعلمون} (الأعراف: 33) .

بين بعض المحققين أن هذه المحرمات في دين الله تعالى على ألسنة جميع

رسله قد ذكرت على طريقة الترقي في الحظر من المعاصي القاصرة إلى المتعدية

كالبغي على الناس، ومن الكفر القاصر على صاحبه كالشرك إلى المتعدي الضرر

كالقول على الله بغير علم، فإنه أصل جميع الفساد في الدين وجميع البدع.

والقول على الله بغير علم قسمان: أحدهما خاص بالعقائد كالكلام في ذاته

وصفاته وأفعاله ومنه نازلة الفتوى، ومثلها القول باتخاذ الولد قال تعالى: {قالوا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٢٩