تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذو الحجة - 1341ه

أغسطس - 1923م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الراتبة القبلية للجمعة

القياس في العبادات، والتردد في نية الصلاة

ومن صلى غير ما نوى

[*]

(س22-24)

رفع أستاذ من المدارس العليا أسئلة أو (سؤالا ذا شعب) إلى العلماء كافة

وخصني بالذكر مع ثلاثة منهم فأقول سائلا من الله تعالى أن يلهمني الصواب،

ويؤتيني الحكمة وفصل الخطاب:

(نص السؤال الأول) :

هل ثبت من طريق شرعي- غير ما رواه ابن ماجه وقد ضعفه وجرحه أهل

الحديث - أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل الجمعة ركعتين أو أربعا بنية سنة

الجمعة أو أمر بذلك أو أقره؟

(الجواب) يعني السائل بحديث ابن ماجه ما رواه عن ابن عباس رضي الله

عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع قبل الجمعة أربعا لا يفصل في

شيء منهن) . وفي إسناده مبشر بن عبيد كذاب وضاع؛ بل قال صاحب الزوائد:

إسناده مسلسل بالضعفاء: عطية متفق على ضعفه وحجاج مدلس ومبشر بن عبيد

كذاب وبقية بن الوليد مدلس ا. ه أقول: وقد عنعن كل من الحجاج وبقية وكذا

مبشر فالحديث موضوع، وقال النووي في الخلاصة: إنه حديث باطل.

وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث أمثل من حديث ابن ماجه ولكنها ضعيفة

(منها) حديث أبي هريرة عن البزار: كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا.

ومثلها عن علي رواه الأثرم وقال: إنه واه والطبراني في الأوسط، وروى

الطبراني مثله عن أبي مسعود وفي إسناده ضعف وانقطاع، والصواب أنه موقوف

كما رواه عبد الرزاق. ومثله عن ابن سعد عن صفية زوج النبي صلى الله عليه

وسلم وهو موقوف أيضا. أفاد ذلك كله الحافظ ابن حجر. ولم نطلع في كتب السنة

ولا فيما احتج به من قال بأن للجمعة سنة قبلية على حديث صحيح صريح في ذلك؛

بل الثابت الذي لا خلاف فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته

إلى المسجد إذا زالت الشمس فيؤذن بين يديه فيخطب فيصلي بالناس فريضة الجمعة

فينصرف إلى بيته فيصلي فيه ركعتين.

ولكن ورد أحاديث في الصحاح وغيرها استدل بها القائلون بسنية الصلاة قبل

الجمعة ورد عليهم المانعون استدلالهم (منها) ما رواه أبو داود وابن حبان من

طريق أيوب عن نافع قال: (كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي

بعدها ركعتين في بيته ويحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك) .

قال الحافظ: احتج به النووي في الخلاصة على إثبات سنة الجمعة التي قبلها.

وتعقب بأن قوله: (كان يفعل ذلك) عائد على قوله: ويصلي بعد الجمعة ركعتين

في بيته. ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله أنه كان إذا صلى الجمعة

انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع

ذلك. أخرجه مسلم، وأما قوله: كان يطيل الصلاة قبل الجمعة، فإن كان المراد بعد

دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج إذا

زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإذا كان المراد قبل دخول الوقت

فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها بل هو تنفل

مطلق، وقد ورد الترغيب فيه اه.

أقول: وروى أحمد عن عطاء الخراساني عن نبيشة الهذلي عن النبي صلى

الله عليه وسلم قال: (إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أقبل إلى المسجد لا يؤذي

أحدا فإن لم يجد الإمام خرج صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج جلس فاستمع

حتى يقضي الإمام جمعته وكلامه - إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها أرجو أن

تكون كفارة للجمعة التي تليها) .

وعطاء الخراساني فيه خلاف وثقه بعضهم وضعفه البخاري، وذكر بإسناد له

عن سعيد بن المسيب أنه قال: كذب علي عطاء ما حدثته هكذا، وقال ابن حبان:

كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به. وهو لم يسمع من نبيشة بل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٢٦٨