…
فكان
عملها أقبح خزي أعماها الطمع عن سوء موقعه من المسلمين الذين يحترمون مكانته
ومكانة نسبه وسنه، وإن أنكروا سياسته وعمله، وتجاوز بعضهم خطة الإنكار إلى
الغميزة والازدراء، والتهكم والاستهزاء، ونبزه بعضهم بلقب البدوي وصفة البداوة،
وما هو إلا ربيب مكة والآستانة ومكة أقدم مدن الأرض حضارة، ووجهاء أهلها على
أدب جم، وإنما اشتهر سوقتها بالشراسة، ولعمر الحق إن الملك حسينا لمن أرقى
الناس آدابا، وإنه لا يوجد في أرقى طبقات المصريين والترك من يفضله في ذلك،
لولا أنه على كبريائه يجاهل الجرائد، ويطعن في الأفراد والجماعات والشعوب في
جريدته (القبلة) حتى في منشوراته الرسمية، ولو تنزه عن هذا لكان خيرا له، ولما
وجد الناس مجالا للكلام فيه إلا من ناحية سياسته ولغته وما يتعلق بهما، وكأن الله
تعالى سلط عليه الناس جزاء له! فإن كان بعضهم قد قدح فيه بالباطل، فقد وجد من
يدافع عنه وينصره بالباطل أيضا، وقد كان طعن جريدة القبلة في المصريين أن
شبهتهم بالبقر والغنم، وجعلتهم إخوة الثوم والبصل، وكفرهم الملك في منشور رسمي
بإنشائهم الدستور. وهددهم نجله الأمير عبد الله بما ينبئ أنه لولا الإنجليز لقام بما هو
مستعد له من غزوهم وفتح بلادهم كما فتح الطائف! وقد نسي أنه عجز عن فتح قرية
الخرما، وأن والده لم يخرج الترك من الممالك الهاشمية - الطائف ومكة وجدة - إلا
بجيشهم وأموالهم، ولعله لا يجهل أن دخل رجل واحد من مزارعيهم أعظم من دخل
(حكومة الشرق العربية) ذات الوزراء والألقاب الفخمة.
ونحن على علمنا بهذا كله نقول: إن الجرائد المصرية أسرفت في الطعن في
الرجلين؛ لأن المنار لا يكتب إلا ما يعتقد أنه الحق، ويحاسب صاحبه في ذلك
نفسه على خطرات القلب، والذي ظهر لنا من الحق في هذه المسألة أن الملك
حسينا أخطأ شرعا ورأيا في منع البعثة الطبية المصرية أن تعمل بحريتها كل ما
تراه من الاستعداد لمعالجة الحجاج المصريين وغيرهم عند الحاجة إليها، فإنه ليس
له حق أن يمنع أحدا من المسلمين هنالك من شيء إلا إذا كان مخالفا للشرع كما بينا
ذلك بالتفصيل في مقال الاستفتاء في أمره وأعماله وسياسته.
وإذا كان يخاف أن يفضي ذلك إلى تدخل النفوذ الأجنبي في الحجاز من هذه
الناحية، فما عليه إلا أن يسن للحجاز قانونا سياسيا يصرح فيه بأن جميع الحجاج
أحرار في كل ما لا يخالف الشرع، وأنه لا يجوز أن يكون لأي دولة من دول
الأرض أدنى نفوذ ولا تداخل في شئون الحجاز الداخلية بسبب وجود حجاج من
رعاياها فيه. ولكن مشروع المعاهدة التي فرض على الأمة العربية جعلها عيدا لها
قد جعلت للإنكليز عدة امتيازات في الحجاز كما بيناه في تعليقنا عليها.
وأما الحكومة المصرية فقد أخطأت في إرجاع ركب المحمل المصري ومنه
البعثة الطبية، وأما إرجاع النقود والأقوات المخصصة لأهل الحرمين في هذا العام،
فإن كان سببه أن الملك لا يمكنها من إعطائها لمستحقيها بحجة منافاته لاستقلاله
في ملكه - فالذنب عليه لا عليها، وإن كان انتقاما منه لمغاضبته إياها وإهانته لبعثتها
فالذنب عليها، فإن ما يقع بين الحكومات من الأمور المنافية للحقوق الودية يتلافى
بغير هضم حقوق الأفراد كشرفاء الحرمين وفقرائهما الذين لا ذنب لهم.
ويجب أن تعلم الحكومة المصرية والرأي العام المصري أن ما هو موقوف
على الحجاز وأهله من أرض مصر فصرفه إليهم واجب شرعي لا منة لأحد في
أدائه إلى أهله، وأن ما يرسل من الصدقات غير المستحقة لهم - ونحن غير واقفين
على تفصيلها - فإن لمصر به مكانة ومنزلة في المعاهد المقدسة، وفي سائر العالم
الإسلامي ينبغي لها أن تحافظ عليها، ولا تلتفت لكلام بعض الماديين المارقين الذين
لا يفقهون للمكانة الروحية والمنزلة الأدبية معنى، وسنوضح هذا إن احتيج إليه