…
فكر أخوكم كاتب هذا المقال في هذه المسألة منذ سنين واقترح هذا الإصلاح
في المنار (ج 3 م 22 الذي صدر في 30 جمادى الأولى سنة 1339) وصرح
برجائه في الملك حسين أن يقبله ويبادر إلى تنفيذه برأي كبار الشرفاء والعلماء في
مكة بأن يضعوا له نظاما ينشر في جريدة القبلة، وترسل نسخ منه مطبوعة إلى
المدن الإسلامية الكبرى في الشرق والغرب والجنوب والشمال لأخذ رأي أهل العلم
والخبرة فيه، ويضرب موسم الحج القابل من ذلك العام موعدا لتنفيذه، بعد جمع
الآراء وتمحيصها فيه بعرضها على لجنة تؤلف من خيار حجاج الأقطار علما ورأيا،
فيكون هذا مؤتمرا إسلاميا يقرر ما يراه من تعاون المسلمين على عمران الحجاز
وتسهيل طرقه، وتكثير موارده، ونشر العلم فيه وغير ذلك من المصالح والمنافع
إننا أعذرنا إلى ملك الحجاز بتفويض أمر هذا الاقتراح إليه قبل كل أحد، وأثبتنا
بهذا أننا نود لو يكون هذا الإصلاح على يديه على سوء ظننا فيه، ونأسف الآن أن
صدق ظننا فيه من كل وجه، فهو لم يرفع لهذا الاقتراح رأسا، ولم يدرك أنه
أضمن لعظمته وجاهه من الحماية البريطانية، بتلك الاتفاقات السرية الشائنة،
والمعاهدات الجهرية الخادعة، ولولا أنه يفضل لذة الاستبداد الشخصي والإلحاد في
الحرم على كل إصلاح يشاركه فيه المسلمون لبادر إلى تنفيذه.
على أننا في ذلك الوقت قد وضعنا نظاما لمشروع جمعية إسلامية تقوم بالسعي
لهذا الإصلاح الإسلامي العام على ما وصل إليه علمنا ورأي من أطلعناه على هذا
المشروع في مصر، وأرسلنا نسخا من هذا النظام إلى أنقرة فاستحسن فيها وظهر
أثر استحسانه في الجرائد بتصريح في معناه نطق به مصطفى كمال باشا، وما
منعنا من إظهار المشروع وتأليف الجمعية بالفعل إلا العلم بأن السلطة العرفية
البريطانية تشدد في مقاومته. ثم أعدنا نشر الاقتراح بما أودعناه في (الكتاب
المفتوح) الموجه من روح الإسلام والجامعة العربية إلى الحكومة البريطانية
والشعب الإنجليزي، إنذارا لهما بأن لا يعتمدا على الملك حسين فيما تطمع فيه تلك
الحكومة من الحجاز وبلاد العرب وأن لا يصرا على ترجيح صداقته على صداقة
العالم الإسلامي والأمة العربية.
أما وقد خابت المساعي وفشلت جميع الوسائل لإقناع هذا المتغلب على الحجاز
بحفظه وصيانته من نفوذ الأجانب وحفظ سياجه من جزيرة العرب، وقد ظهر
للشعوب الإسلامية كلها أمره وما فيه من الخطر على مشاعر دينهم ومأواه ومأرزه
بجعله الحجاز تحت حمايتهم وتوطيده مع أولاده لنفوذهم وسلطانهم في قلب الجزيرة
من حدود مصر إلى خليج فارس - فالواجب عليهم شرعا أن يسعوا إلى إنقاذه من
هذا الخطر وجعله قطرا حرا حياديا لا سلطان عليه لغير الشرع العادل الذي أنزله
الله تعالى فيه بضمان العالم الإسلامي كله.
وقد بينا في هذا المقال أن هذا الإنقاذ إذا صمدت له إحدى الإمارات العربية
المجاورة للحجاز يخشى أن يكون إثمه أكبر من نفعه ومفاسده أرجح من المصلحة
المطلوبة، وأنه لا يرجى من دولة أخرى كالمصرية والتركية؛ لأن طريق البحر
إليه تحت سلطان الإنجليز حماة هذا المتغلب وأنصاره على المسلمين فلا يمكنون
دولة أن تسوق إليه جندا.
وإذ كان الأمر كذلك تعين لإنقاذ الحجاز سعي جميع الحكومات الإسلامية
المستقلة واتفاقها على الوسيلة التي تبتغى له وتعاونها على تنفيذها، فإن لم تتفق
كلها فأقدرها وأقربها. وإلا فالواجب على شعوب المسلمين اتخاذ الوسيلة لذلك فإن
لم يفعلوا كانوا كلهم فساقا ضالين، ولن تجتمع هذه الأمة على ضلالة، فإنقاذ
الحجاز فرض ولا بد من أدائه.
أما الدولة الإسلامية التي تطالب بذلك أولا فهي اليمنية والنجدية والمصرية
والتركية والإيرانية والأفغانية، فإن لم تبدأ إحداهن بالدعوة إلى عقد مؤتمر من
أعضاء مفوضين من كل منهن، فليدعهن إلى ذلك بعض أصحاب المكانة المحترمة