تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالإنسان الحي يتقد حيويَّة وشباباً ، ولكن الذي يجثم على الأرض بدون حراك فموضوع آخر ، هل العينان اللتان تبرقان مثل عين الميت الجامدة ؟ هل قطعة لحم مشوية ولها رائحة عَبقة وأنت جائع كقطعة لحم متفسِّخ ؟ الاثنتان لحم ولكن هناك مسافة كبيرة جداً ، ذُكر للنبي الكريم شخص وشخص فقال :" هذا يعدل ملء الأرض من هذا " .

إنه كلام دقيق ، فلو حسبنا حجم الأرض وحسبنا حجم إنسان معتدل، وقسَّمنا حجم الأرض على حجم هذا الإنسان ، الأرض بأكملها ، الكرة الأرضيَّة بمحيطاتها الخمس ، لو أنها مجوفة كم عدد الناس الذين تتسع لهم؟ كلام النبي لا ينطق عن الهوى ، وهناك إنسان واحد يساوي عند الله ما يعادل الأرض ممتلئة بالأشخاص ، المؤمن عند الله كبير ، حينما يموت الكافر ، قال عنه تعالى

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ

( سورة الدخان : من آية " 29 " )

والمعنى المخالف أن المؤمن حينما يموت تبكي عليه السماء والأرض ، وكله خير ، وكله إنصاف ، وأدب ، وانضباط ، ورحمة ، وذوق ، ولطف ، هذا هو المؤمن .

وغير المؤمن بالتعبير الذي يحلو لي أن أصفه به " دابَّة متفلتة " ، جنَّ البقر في أوروبا ، فاضطروا أن يحرقوا خمسة عشر مليون بقرة ، ثمن البقرة مئات الألوف ، فكيف تُحرق ؟ لأنها جُنَّت . وحينما أطعموها طحين اللحم اختل نسيجها ، وصار لها سلوك طائش ومخيف ، وهناك حدَّثني أخ من إخواننا فقال لي : إن صديقاً له عنده بقرة جنَّت ـ في ريف دمشق ـ فقتلت رجلين وكادت تقضي على الثالث فأطلق عليها النار وقتلها. إذا جُنَّت البقرة تقتلها ، وإذا انحرف الإنسان تجده وحشاً .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٨٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٨٠٤