تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها الإخوة الكرام ... كان الناس أمةً واحدة ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، سيدنا آدم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام تلا الحق على أولاده ، وأولاده تلوا الحق على أحفادهم ، وهكذا ، لكن الذي حصل أن النفوس تنحرف ، والشهوات تستعر ، والمصالح تتضارب، فالإنسان مُركب من عقل ومن شهوة ، لو كان مركباً من عقلٍ فقط لم تكن هناك أية مشكلة ، لكنه ركب من عقلٍ وركب من شهوةٍ ، في حين أن المَلَك ركب من عقلٍ فقط ، هو يذكر الله دائماً ، والحيوان ركب من شهوةٍ فقط وهو ليس مكلفاً ، الإنسان نوعٌ عجيب ، فيه نفخةٌ من روح الله ، وفيه قبضةٌ من تراب الأرض ، فيه حاجات عُليا ، و نوازع عليا ، وفيه شهوات سُفلى، هو المخلوق الأول بطولته أنه يجمع بين المتناقضين ، هناك شهوة تحرِّكه ، وهناك قيمٌ يصبو إليها ، فيه نفخةٌ من روح الله وقبضةٌ من تراب الأرض ، تراب الأرض يشدُّه إلى الأرض..وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ

( سورة الأعراف : من آية " 176 " )

والنفخة من روح الله تشده إلى الله ، وإلى القيَم ، الذي ترونه جميعاً أن الإنسان يقلق إذا انغمس في شهوته ، يبحث عن شيءٍ مفقود ، لو أعطى نفسه هواها ، لو انغمس في إمتاع نفسه بالشهوات المادية إلى قمَّةِ رأسه ، يشعر أن هناك شيئاً يخالفه ، يختل توازنه ، ولا يستعيد توازنه إلا إذا عرف الله ، فلذلك ربنا عزَّ وجل خلق الإنسان من نسل آدم ، وأسكن سيدنا آدم في الجنة ، وأعطاه درساً له ولذريته من بعده ، أعطاه درساَ بليغاً ، وبيَّن الله عزَّ وجل لسيدنا آدم ولذريته من بعده :إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ(6)

( سورة فاطر )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٧٣