تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توجد نقطة أحب أن تكون واضحة عندكم : هناك أغنياء عندهم نظر بعيد جداً ، يبحثون عن أناس إيمانهم كبير ، وعِفَّتهم ظاهرة ، وكرامتهم عالية جداً ، يمدُّونهم بما يحتاجون ، بلا ضجيج ، بلا جلبة ، بلا تباهي ، بلا مَنّ ، بلا أذى ، البطولة لا أن تنفق ، بل أن تضع النفقة في مكانها ، البطولة ألا تعطي للمتسول ، البطولة أن تعطي العفيف الذي لا يسألك شيئاً، هذه البطولة ، لذلك أنا أتصور أنك إذا أنفقت مبلغاً بعد بحث دقيق ودرس عميق ، وبعد سؤال وجواب ، حتى عرفت هذا المؤمن الذي لا يسأل ولا يطلب ولا يبذل ماء وجهه ، ووضعت هذا المبلغ عنده سراً بينك وبينه دون أن تُعلم أحداً ، ودون أن تذكر اسمه ، ودون أن تشهِّر به، هذا الإنفاق يتضاعف أضعافاً كثيرة ، هناك أشخاص لمجرد أن ينفق المال يشعر بالارتياح، لا ، بل هناك مهمة بعد أن تقرر إنفاق المال ، عليك أن تعرف أين تضع هذا المال؟ يجب أن تضعه في مكانه الصحيح، قد تعطيه لإنسان يبدو لك غنياً ..

لكنه صفر اليدين ، لا يملك شيئاً إطلاقاً ولكنه كريم النفس ، حتى إِن بعض علماء الفقه قال: هذا الذي كان غنياً فافتقر ، يصح أن يأخذ من مال الزكاة ، و هو قوي ، مع أن النبي يقول : " الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مرة قوي " .

فالغني لا يُعطى صدقة ، والقوي كذلك تمنع عنه الصدقة ، لكن هل من المعقول : إنسان كان غنياً كبيراً وافتقر فجأة نقول له : اشتغل عتَّال، أنت قوي !! الإسلام عظيم ، الإسلام واقعي ، هذا الغني الذي افتقر يعطى من بيت مال المسلمين ما يسد حاجته ولو كان قوياً حفظاً لماء وجهه ، يقول عليه الصلاة والسلام :" أكرموا عزيز قوم ذل ، وغنياً افتقر ، وعالماً ضاع بين الجهال " .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٤٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٤٧٦