فقد يكون الإنسان ذكيًا ، والذكي يمثِّل ، والتمثيل يحتاج إلى قدرات عالية جداً ، فالذكي يمثِّل ، قد يقول كلاماً يُرضيك ، لأنه يعرف اتجاهَك ، ولدى بعض الناس قدرة عجيبة على التلون ؛ فإذا جلس مع أهل الدنيا فهو في قمة أهل الدنيا ، وإذا جلس مع أهل الدين يتلبس ، ويقول : لا إله إلا الله ، الله يغفر لنا ، له كلمات رائعة مع أهل الدين ، فيها توكُّل ، وفيها إنابة ، وفيها شوق إلى الله ، وهو يحفظ عدّة أبيات من الشّعر ، وإذا جلس مع أهل دينٍ آخر قرَّب ديننا من دينهم ، فأصبح ديننا مثل دينهم تماماً ، أينما جلس يتلوَّن ، هذه قدرة عالية بالإنسان .
قوله يعجبك ، يرضيك ، يعرف الوَتَرَ الحساس ، يعزف عليه ، يتلاعب بعواطفك ، إنه ذكي ، لكن المشكلة أن هذا لا يُمَرَّر على الله ، وعلاقتك مع الله ، هناك نقطة دقيقة : باطنك محجوب عن الخَلق رحمةٍ من الله ، والله كاشف باطنك رحمةٍ من الله أيضًا ، والمؤمن يعلم ، ولذلك ينضبط وهذا لصالحه ، فحينما توقن أن الله يعلم تنضبط ، أيّ إنسان يوقن أن الله يعلم فسينضبط ، فصار الحساب داخليًا ، المؤمن الصادق لا يجرؤ أن يحمل حقدًا أو غِلاًّ لأحد ، ولا أن ينافق .
فرحمة الله رحمتان ، الرحمة الأولى أنه مُطَّلعٌ على بواطننا ، وهذا اطلاع على بواطننا أكبر رادع لنا ، أيْ يا عبدي لا تخفى علي خافية ، تكلَّم ما شئت فأنا أعرف الحقيقة ، أعرف ماذا تنطوي عليه.
وهناك أمثلة كثيرة جداً ، فالطبيب عندما يفحص امرأةً ، إذا اختلس النظر إلى مكانٍ لا تشكو منه ، ليس في الأرض كلها إنسان بإمكانه أن يكشف الحقيقة إلا الله .
يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)
( سورة غافر )