تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حياة المؤمن مَبنيةٌ على العمل الصالح ، حياةُ المؤمن مبنيةٌ على الإنفاق ، حياة المؤمن مبنيةٌ على العطاء . إن صحَّ التعبير له سياسة أساسيَّة ، لها مصطلح عصري ـ الاستراتيجيَّة ـ استراتيجيَّة المؤمن أنه يعيش ليُعطي ، يكسب المال لينفِقه ، يتعلَّم ليعلِّم ، يتزوَّج لينجب أولاداً صالحين ، يعمل عملاً حِرفياً لينفع المسلمين ، بُنيت حياته على العطاء ، لذلك أحد كُتَّاب السيرة ـ يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ـ قال : " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ " .

المنحرفون يأخذون ولا يعطون ، المؤمن يعطي ولا يأخذ لأنه يأخذ من الله عزَّ وجل جنَّةً عرضها السماوات والأرض ، فإن أراد أن يأخذ على عطائه فكأنما اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً .

مَلِك عظيم كلَّف معلِّماً أن يعطي ابنه دروساً ، وقال له : أنا سأكافئك ، والملك بماذا يُكافئ ؟ أقلُّ شيء يعطي عطاًء كبيراً جداً ، فهذا المُعَلِّم سأل هذا الطالب أن يُعطيه الأجر ، فأعطاهُ مبلغاً محدوداً جداً ، هل في رأس هذا المعلم ذرَّة عقل ؟ لا . لو أخذ الأجر من المَلك لكان أجراً كبيراً جداً ، فهذا الذي يطلُب على عمله الصالح عطاءً ، يطلب على عمله الصالح أجراً ، يطلب على تعليم الحَق للناس أجراً ، يطلب علىٍ خيِّرٍ أجراً ، هذا زهد بما عند الله ، وطمع بما عند المخلوقين فهذا خاسر خسراناً كبيراً .

أيها الإخوة الكرام ... ولكن البر من آتى ، آتى بمعنى أعطى ، لكن يُقال : آتى ، لمن كان المال من كسبه ، أو أتاه بطريقٍ مشروع ، آتيتُه مالاً من مالي ، المال ما يُنتفع به ، ما يتموَّل ، وقد أودع الله في قلوب البشر حبَّ المال .. زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

( سورة آل عمران : من آية " 14 " )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٠٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٠٢٠