تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي يتمتَّع بأعلى درجة من الغنى وهو مقطوعٌ عن الله ، هذا مع النعمة ، مع المال ، والذي يعاني مع ضيق ذات الله ولكنه متصل بالله هذا مع المُنعم ، وفرقٌ كبير بين أن تكون مع مخلوقٍ محدود ، وبين أن تكون مع الخالق ، فمثلاً :

إنسان معه ألف ليرة ، وطفل صغير ليس معه ولا درهم ، لكنه ابن أكبر غني بالعالم ، ولو طلب هذا الابن من أبيه ملايين مُملينة لأعطاه إيَّاها، ولكن بالمقياس المادي هذا في جيبه ألف ليرة ، وهذا ليس في جيبه شيء ، من هو الغني ؟ الطفل هو الغني ، غنيٌ بغنى أبيه .

فالإنسان المؤمن قد لا يملك شيئاً يلفت النظر ، ولكنه مع الله ، هو مع الغني ، هو مع القوي ، هو مع المُهيمن ، هو مع من إليه المصير ، هو موعود بجنة ، فبين أن تكون مع النعمة ، وبين أن تكون مع المُنعم فرق كبير ، ولا أقول مستحيل أن تجتمعا ، لكن لحكمةٍ أرادها الله ، المُترف دائماً بعيدٍ عن الله ، هناك ثماني آيات في كتاب الله تؤكِّد أن المترف كافر ، المترف ، ليس هو الذي يأخذ هذه النعمة ، ويشكر الله عليها ، ولكن هو الذي يأخذها ليعلو بها على الناس ، ليتباهى بها ، ليكسِر قلوب الآخرين ، زهواً ، وإعجاباً ، وغطرسةً ، نقول : هذا مع النعمة الفانية ، وذاك مع المُنعم الباقي ، فكن مع المنعم وإن كانت بين يديك نعمة فهذا خير ، لكن الشيء الدقيق والثابت أن تكون مع المُنعم .

إن كنت تعبده فاشكره ، فإن لم تشكره فكأنك لا تعبده ، من لوازم العبادة الشكر ، لذلك تعريف العبادة : غاية الخضوع مع غاية الحب .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٩٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٩٨٠