وبالمناسبة هناك معنى دقيق جداً جداً وهو : أن الله جل جلاله يجعل من المؤمن داعيةً دون أن يشعر . قد يضيِّق عليه دخله إلى درجة أنه قد لا يكفيه ، يأتيه عرضٌ ُمغرٍ ولكن هذا العرض فيه شبهة فيرفض ، حينما يرفض المؤمن هذا العرض المغري وهو في أمس الحاجة إلى المال ، صار هذا المؤمن داعيةً وهو لا يشعر ، داعيةً بسلوكه ، صار مضرِبَ المثل . فكل ما ساقه الله للمؤمن ، ووقف منه هذا الموقف الكامل دعوةٌ إلى الله دون أن يشعر .
تجد مؤمناً ينفق من ماله القليل الشيء الكثير ، إنفاق ماله دعوة ، مؤمن يصبر ، صبره دعوة ، مؤمن يُضحي ، تضحيته دعوة ، مؤمن يتعرَّض لضغطٍ شديد ، هذا الضغط الشديد مع ثباته على الحق دعوة ، فأنت قد تدعو إلى الله بلسانك ، ولكن الله أحياناً يجعل منك داعيةً دون أن تشعر .
أحياناً ينحاز أب وأم إلى ابنهما الضال ويقسوان على ابنهما البار، بدافعٍ من الشيطان ، يرحبون بابنهم الضال ، يكرِّمونه ، يعطونه ، يتباهون به ؛ يضعون ابنهما البار الديِّن في التعتيم ، لا يعبؤون به ، يقسون عليه ، فهذا البار مع أن والديه يقسوان عليه يبرَّهم ، صار دعوة . فأنت لا تعجب، قد يجعل الله منك داعيةً وأنت لا تشعر .
أحياناً يدخل إنسان السجن وهو مظلوم لحكمةٍ أرادها الله ، أدخل الله عزَّ وجل نبيَّاً كريماً للسجن ، فإذا هو في هذا السجن يصلي ، ويذكر الله ، ويعرِّف بالله ، تكون له مهمَّة هناك ، فجعل الله منه دعوةً ، دخل السجن وجعل منه دعوةً هناك . فلابدَّ من أن يجعل الله منك داعيةً بشكلٍ أو بآخر ، صبرك دعوة ، عفَّتك دعوة ، أمانتك دعوة ، والمؤمن لابدَّ من أن يكون نبراساً لبقيَّة الناس ، ويجب أن يوطِّن نفسه على أنه تحت الأضواء ، وأن كل من حوله ممن شرد عن الله عزَّ وجل يتربَّص به ، وينتظره على موقف ، فكلَّما كان إيمانك قوياً تحرَص على أن تكون مستقيماً ، وقد علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام بأقواله وأفعاله الشيء الكثير .