تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيَّنت لكم في الدرس الماضي ـ وهو مركز ثِقَلٍ في هذا الدرس ـ هو أن مشيئة الله شاءت أن يكون لكل شيءٍ سبب ، نظام الكون أساسه السببيَّة ، بل إن عقل الإنسان بُنِيَ على نظام السببيَّة ، أنت لا تفهم شيئاً بلا سبب ، كما أنك لا تفهم شيئاً بلا هدف ، كما أنك لا تقبل التناقض ، هذا هو العقل ، العقل جهاز مَعرفي ، جهاز إدراكي ، لا يفهم إلا وفق هذه المبادئ، وقعت في دمشق مثلاً جريمة ، واتُهِمْ بها إنسان ، لو أثبت هذا الإنسان بالدليل اليقيني أنه كان في حلب ، فهو برئ ، لأنه لا يُعْقَل أن يكون الإنسانٌ في دمشق وحلب في وقتٍ واحد ، هذا هو العقل ، هو يرفض التناقض.

العقل يرفض أن يحدث شيء بلا سبب ، إنسان يغادر منزله ، ويغلق أبواب البيت ، ويطفئ الكهرباء ، فإذا رجع بعد أيَّام ووجد أن الكهرباء متألِّقة ، لماذا يضَّطرب ؟ لماذا ينفعل؟ لماذا يقلق ؟ لو أنه عندما عبَّر عن قلقه ، قالت له زوجته : أطفئ المصابيح !!! وأطفأها لما انتهى مصدر قلقه لأن القضيَّة أخطر من ذلك ، القضية من دخل إلى البيت في غيبتنا ؟ لا يقبل أن تتألَّق المصابيح من دون فاعل ، هذا هو العقل ، العقل لا يقبل شيئاً من دون سبب .

لا يقبل شيئاً من دون هدف ، يرى الإنسان أحياناً ظواهر لا تعنيه ولا تتصل بحياته إطلاقاً ، ولا تتعلَّق بكل مصالحه .

فقد تجد شاحنة تحمل وقوداً سائلاً ، وتجر سلسلة من الحديد وراءها ، لماذا ؟ أنت موظَّف ليس لك علاقة بالنفط إطلاقاً ، ولا بالشاحنات ، ولا بالميكانيك ، لماذا تبحث عن العلَّة وعن الهدف ؟ فإذا قيل لك: هذه من أجل أن تفرِّغ الصواعق ، قد تأتي صاعقة فتحرق هذه المركبة ، فإذا كان لها اتصال مع الأرض تُفَرَّغ هذه الصاعقة دون أن تتأذَّى المركبة، فالآن فُهِم الشيء ، الإنسان أحياناً تحل مشكلته الماديَّة ، لكن لا تحل مشكلته العقليَّة .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٦١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٦١٢