تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حينما يسكت الشرع عن شيء ، ينبغي أن يحترم الإنسان سكوت الشرع عنه ، لا أن يسأل عنه ، سكت عن شيء لحكمة بالغة ، كما أن هناك حكمةً بالغة من الأمر ، هناك حكمةً بالغة من النهي ، هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغة ، بالغة من الشيء الذي سكت الله عنه ، لذلك ما أَضَلَّ الله قوماً بعد إذ هداهُم إلا أوتوا الجَدَل ، في المسكوت عنه ، فالمسلمون أو بعض المسلمين مقصرون تقصيراً شديداً ، ومع ذلك يحشرون أنوفهم في جُزْئِيَّات ، وفي خلافيَّات ، وفي قضايا لا تقدم ولا تؤخر ، ويجعلون من هذه الموضوعات الصغيرة موضوعات كبيرة ، ويختصمون ، ويختلفون ، ويتناقشون ، ويتباغضون ، ويتعادون ، ويتهم بعضهم بعضاً ، والقضية صغيرة جداً هامشية لا تقدِّم ولا تؤخر .

لذلك أيها الإخوة ... القرآن الكريم دقيق ، مثلاً ذكر القرآن قصة ، وأغفل بعض التفاصيل، أغفل مكانها وزمانها ، أغفل أسماء أشخاصها ، أغفل بعض التفاصيل السابقة واللاحقة ، حيثُما سكت القرآن عن شيءٍ فاسكت أنت عنه لأنه لا فائدة منه ، لا جدوى منه ، حينما تحاول أن تبحث عن هذه التفاصيل تفسد على الله حكمته ، لأن الله عزَّ وجل أراد نموذجاً متكرراً ، لم يرد قصة وقعت ولن تقع مرة ثانية ، هو أراد نموذجاً ، أراد نموذجاً تقتدي به ، فأنت حينما تبحث عن التفاصيل وعن الجزئيات ، أنت تفسد على الله حكمته ، أراده الله نموذجاً متكرراً ، فجعلته قصةً وقعت ولن تقع بعد اليوم .

فالأكمل بالمؤمن ، والأولى أن يأتمر بما أمره الله به ، وأن ينتهي عما نهاه عنه ، والذي سكت عنه هو مباح ، لا تُضَيِّق عليك الخناق ، لا تضيق عليك الوثاق ، استفد من بحبوحة الله ، فالله عزَّ وجل يعطينا درساً بليغاً ، درساً بليغاً في التعُنُّت ، تعنت بني إسرائيل ، درساً بليغاً في انغماسهم بالجزئيات والتفاصيل التي سكت عنها الشرع ، قال الله عزَّ وجل قال:

بقرة نكرة ، أية بقرة ، أيَّة بقرةٍ صالحةٍ لتنفيذ هذا الأمر ..

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٥٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٥٠٨