تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو أردنا أن نتوسَّع قليلاً ، الاتصال بالله عزَّ وجل هو قمَّة السعادة في الدنيا ، ولكنه اتصال على نحوٍ أراده الله ، اتصال إقبال ، اتصال توجُّه، اتصال مناجاة ، اتصال استغفار ، اتصال استعانة ، اتصال إنابة ، اتصال دعاء ، هذا الاتصال المسموح في الدنيا ، ولكن يوم القيامة هناك اتصال مباشر ، هناك رؤية ، فإذا كنت تستمتع أيها الأخ الكريم في الدنيا برؤية جبلٍ أخضر فيه مَسْحَةٌ من جمال الله ، أو رؤية جنَّةٍ خضراء ، أو رؤية بحرٍ ساكن بزرقةٍ تُحَيِّر الألباب ، أو رؤية وجه طفلٍ صبوح فيه من الجاذبيَّة والتألُّق ما لا يوصَف ، هذه كلُّها مخلوقاتٌ أخذت من جمال الله مسحات ، فكيف لو أتيح للإنسان المؤمن يوم القيامة أن يرى أصل الجمال؟ أنت ترى في الدنيا آثار اسم الجَميل في مخلوقاته ، ألم تر في باقة وردٍ ، تناسب الألوان ، الروائح الشذيَّة، الأزهار تمثِّل جانباً من جمال الله ، المناظر الطبيعيَّة الخلاَّبة تمثِّل منظراً من جمال الله عزَّ وجل، الوجوه الصَبوحة تمثِّل مظهراً من جمال الله عزَّ وجل ، هذا الجمال الذي أودعه الله في الدنيا لحكمةٍ تربويَّة ، لأنه إذا حدَّثنا عن جمال الآخرة ، وعن الجنَّات التي تجري من تحتها الأنهار ، وعن الحور العين ، والأولاد المُخَلَّدين ، وعن الطعام الطيِّب ، وعن الفواكه التي بين أيديهم ، وعن هذا اللقاء الطيِّب بين المؤمنين على سررٍ متقابلين ، وعن رؤية وجه الله الكريم ، إذا حدَّثنا ربنا عن هذا الجمال وعن هذا الكمال ، وعن هذا النعيم المُقيم في الجنَّة ، فلولا هذه المرتكزات الجماليَّة في الدنيا لما فهم الإنسان معنى الجمال ، ما فهم الإنسان معنى جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار ، فالجمال في الدنيا جمال ابتلاء ، يعطي الله إنساناً جمالاً ، وقد يعطيه جمالاً أقل ، وقد يعطيه دمامة أحياناً ، فالدنيا دار ابتلاء ، قد تجد إنساناً في قمِّة الصلة بالله وليس له وجهٌ صَبوح ، هذا شيء موجود ،

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٥٥