أيها الأخوة الكرام ... بادئ ذي بدء هناك معرفة حسية تتم عن طريق الحواس ، الأشياء المادية تعرفها عن طريق الحواس ، وهناك معرفةٌ عقلية تحتاج إلى آثارٍ مادية يستنبط العقل منها حقائق هذه الأشياء ، هذه هي المعرفةٌ العقلية ، فالشيء إذا ظهرت عينه وظهرت آثاره سبيل معرفته الحواسُّ الخمس هذا هو اليقين الحسي ، أما إذا غابت عينه ، ذاته، وبقيت آثاره سبيل معرفته العقل وهذا هو البصير العقلي ، أما إذا كان الشيء مغيَّباً عنا أصلاً ولا آثار فالحواسُّ لا يمكن أن تعرفه .. لعدم وجود آثار له ولا يمكن أن يعرفه العقل لأنه ليس له آثار ، هذا هو اليقين الإخباري ، هذا التمييز دقيق ، الأشياء التي تجسَّدت لها جُرْم ، لها وزن ، لها شكل ، لها لون ، لها رائحة ، لها مَلْمَس ، لها حَيِّز، لها طول ، لها عرض ، لها ارتفاع ، هذه أشياء حسية ، سبيل معرفتها الحواسُّ الخمس ، أما جدار وراءه في دخان والعقل يقول : لا دخان بلا نار ، فالعقل رأى آثار النار وهو الدُخان فحكم بوجود النار من آثار النار فقال : لا دخان بلا نار .
إذاً وراء هذا الجدار نار ، الكهرباء لا تُرى بالعين لكن تألُّق المصابيح ، تكبير الصوت ، حركة المراوح تبيِّن أن هناك قوة كهربائية موجودة ، فهذه المعرفة معرفة عقلية ، والمعرفة العقلية لا بدَّ من أن تعتمد على حِسِّيات ، على آثار حِسِّية ، أما إذا لم تكن هناك آثار حسية فلا توجد معرفة عقلية ، لأن يعتمد العقل على الأثر ويحكم منه على المؤثِّر ، أي أنه يرى النظام فيكتشف المنظِّم، يرى التسيير فيعرف المسَيِّر ، يرى الحكمة فيعرف الحكيم ، يرى آثار العلم فيعرف العليم ، يرى آثار القُدرة فيعرف القدير، هذا هو العقل .