تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا الحب المتأجج ، من أين يأتي ؟ من الاتصال بالله ، هذه امرأةٌ - وكلكم يعلم مَن هي المرأة - امرأة ترى زوجها مقتولاً ، في معركة أحد ثم ترى ابنها مقتولاً ، ثم ترى أخاها مقتولاً ، ثم ترى أباها مقتولاً ، من أندر القصص ، أبوها ، وأخوها ، وزوجها ، وابنها ، هل هناك من رجال ألصق من هؤلاء بالمرأة ؟ ما تقول شيئاً بل تقول : ما فعل رسول الله ؟ فما زالت مضطربةً حتى رأته سليماً معافىً ، وقالت : يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك تهون ، هذا هو الحب .

هذا الحب من أين جاء ؟ من الاتصال بالله ، تجد المؤمن يفعل المعجزات ، والله عزَّ وجل يمكِّنه ، يمد ُّ، والحبُّ هو المحرك ، فقد تجد مركبة فخمة جداً ، مطلية بطلاء رائع زاهٍ ، ومقاعد وثيرة ، ومرايا نظيفة ، وأبواب فارهة ، ولكن ليس فيها محرك ، فهذه ليست مركبة ، وليست سيارة ، بل هذه وقَّافة ، هذه الطائرة المطعم الموجودة عندنا في الشام ، هل تعد هذه طائرة ؟ ليس فيها محرك ، فالإنسان من دون صلاة بلا محرك ، أما بالصلاة فيفعل المعجزات ، وقد يعمل عشرين ساعة دون تعب ، والذي لا يصلي يتعب بعد ربع ساعة ، ويميل للراحة ، وإلى الاسترخاء ، واستهلاك جهد الآخرين ، ويميل إلى كل شيء مريح ، أما المصلي فيفعل كل شيء .

هناك فرق بين الصحابة الكرام ، وبين مسلمي آخر الزمان في الصلاة ، لقد اعتنوا بها عنايةً فائقة ، فاتصلوا بالله ، وكانوا كالمراجل ، ولما لم يحافظ المسلمون على الصلاة ، صلوها ، ولكن لم يحافظوا عليها ، فإنسانٌ دخله حرام ، ثم يقف ويقول : الله أكبر ، يقف ، ويُكَبِّر ، ويقرأ ، ويركع ، ويسجد ، ولكنه مقطوع عن الله عزَّ وجل ، وليس موصولاً معه ، بل متلبس بالمعاصي ، وظالم الناس مثلاً ، أو ظالم لزوجته ، أو لشريكه ، فالدخل حرام ، والعلاقات مع النساء كلها غير منضبطة ، والبيت غير إسلامي ، والأولاد لم يتلقوا تربيةً من أبيهم ، وإذا صليت الآن !!

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٣٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٣٥١