غض البصر :إذا كنت في مجتمع ملتزم ، كامل ، ونساؤه كلهن محجبات ، تعيش مرتاحاً ، فالطالب في دراسته ، والعامل في معمله ، والتاجر في متجره ، أما حينما تعرض المرأة كل مفاتنها في الطريق على من يعرفها ، ومن لا يعرفها ، ومن تحل له ، ومن لا تحل له ، فإنّ الحياة تفسد ، فإذاً المعنى الدقيق في هذه الآية ، وأنا أود أن أركز عليه ، نحن مكلفون أن نطبق الإسلام شئنا أم أبينا ، فهذا تكليف الله عز وجل ، ولكننا لا نستطيع أن نقطف ثماره اليانعة إلا إذا طبقناه جميعاً ، وكلنا صادقون ، وأمناء ، وأعفاء ، ومتقنون ، وجادون ، وأصحاب همة عالية ، وعندئذٍ يكون هذا الإسلام المطبق أبلغ من كل قول يقوله الدعاة ، وأذكركم بمقالة مهمة ؛ هي أن العالم الغربي الذي نحرص على هدايته ، لا يمكن أن يهتدي بالكلام ، ولا بالمؤلفات ، ولا بالأشرطة ، ولا بالمحاضرات ، ولا بالمؤتمرات ، هذا العالم لا يقيم الإسلام تقييماً صحيحاً إلا إذا رأى مجتمعاً مسلماً حقاً ، فيه كل ثمار هذا الدين ، أما إذا رأى فكراً ، أو كلاماً ، أو خطابةً ، أو كتاباً ، أو شيئاً لا يتصل بالواقع ، يبقى الإسلام محاصرًا ، ويبقى ضعيفًا ، والذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم ، العبرة ألاّ ينفرد الباطل بالساحة ، وأن يكون هناك حيز للمؤمنين في ساحة الحياة الدنيا ، ولو كان صغيرًا ، تدخل إلى المسجد فكلهم يصدقون ، ولا يخونون ، ولا يحتالون ، ولا ينافقون ، إنّ مسجداً صغيراً طبق فيه الدين خيرٌ من ألف محاضرة تلقى على الناس ، لأن الناس يتعلمون بعيونهم ، ولا يتعلمون بآذانهم ، ولغة العمل أبلغ من لغة القول ، فأنت حينما تطبق الدين تكون أكبر داعية وأنت صامت ، وهذا معنى قول النبي الكريم استقيموا يستقم بكم ، والذي أقرأه من حين إلى آخر عن أناس عظماء دخلوا في الدين لا لأنهم قرؤوا كتاباً فأقنعهم ، ولا لأنهم استمعوا إلى محاضرة فتأثروا بها ، بل دخلوا في الدين لأنهم رأوا مسلماً أمامهم يتمثل كل
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١١٩٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ١١٩٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي