ذكرت مرةً مثلاً وسأُعيده لأنه مناسبٌ لهذا المعنى ، مثل افتراضي ؛ إنسان فقير جداً يعمل عَتَّالاً على دابة ، فلما ماتت هذه الدابة فَقَدَ دخله كلياً ؛ دفنها وأقام عليها بناءً وقبةً خضراء وأعطاها اسماً من اختراعه ، وزعم أن هناك ولياً مدفوناً في هذا المكان ، وجاءه الناس زُرافاتٍ ووحدانا يتبركون بهذا الولي ويعطونه العطايا الكثيرة ، هذا الإنسان انتفع بهذه الكذبة ، وهذا الدجل انتفاعاً لم يكن يخطر له على بال ؛ هل في الأرض قوةٌ يمكن أن تُقنعه أن المدفون هنا دابة ؟ لا .. قناعته أشد من قناعة الذي يناقشه ، لكنه ليس من صالحه إطلاقاً أن يعترف أن المدفون في هذا المكان دابة ، هو يقاتل من أجل دَجَلِه ، يقاتل من أجل فكرته، يقاتل من أجل كذبه ، يقاتل من أجل الخُرافة التي نشرها بين الناس ، هو يدافع عن مصلحته ، يدافع عن دخلِه ، يدافع عن مكانته، يدافع عن مكاسبه ، فهذا الذي يتَّخذ الكفر وسيلةً للدنيا ، هذا الذي هيَّأ له كفره مكانةً عالية ودخلاً كبيراً وهيمنةً على الناس عظيمة ، هذا سواءٌ عليه ءأنذرته أم لم تنذره لا يؤمن ؛ هو بعيدٌ جداً عن موضوع الفكر وعن موضوع العقيدة وعن موضوع المبادئ وعن موضوع الأهداف ، أنت في واد وهو في واد ؛ المنتفع لا يُناقَش لأنه يدافع عن منافِعِهِ لا عن أفكاره . ليس الذين كفروا هم الذين شوِّهَت لهم المعلومات فكفروا فلما صُحِحَت آمنوا .. لا .. ليسوا هؤلاء ، وليسوا هم الذين غابت عنهم الحقائق فلما حصَّلوها آمنوا ، ليسوا هؤلاء ، إن الذين كفروا هم الذين انتفعوا بكفرهم ، والذين وصلوا إلى الدنيا بكفرهم ، والذين أطاعهم الناس لكفرهم.
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١١٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ١١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي