وتحذيرا ، وترغيبا وترهيبا ، فيا أيها الذام للدنيا والمفتتن بغرورها متى غرتك : أبمصارع آبائك من البلى ، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك ، وكم مرضت بيديك ؟ تبتغي لهم الشفاء ، وتستوصف لهم الأطباء ، وتلتمس لهم الدواء ؟ لم تنفعهم بطلبتك ، ولم تشفعهم بشفاعتك ، ولم تستشفهم باستشفائك بطبك . مثلت بهم الدنيا مصرعك ومضجعك ، حيث لا ينفعك بطاؤك ، ولا يغني عنك أحباؤك . ثم التفت إلى قبور هناك ، فقال : يا أهل الثراء والعز ، الأزواج قد نكحت ، والأموال قد قسمت ، والدور قد سكنت . هذا خير ما عندنا ، فما خير ما عندكم ؟ ثم قال لمن حضر : والله ، لو أذن لهم لأجابوا بأن خير الزاد التقوى ، وأنشد :
ما أحسن الدنيا وإقبالها إذا أطاع الله م نالها
من لم يواس الناس من فضلها عرض للإدبار إقبالها
قال أبو حازم : الدنيا طالبة ومطلوبة . طالب الدنيا يطلبه الموت حتى يخرجه منها ، وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه . وقال الحسن البصري : بينا أنا أطوف بالبيت ، إذا أنا بعجوز متعبدة ، فقلت : من أنت ؟ فقالت : من بنات ملوك غسان ، قلت : فمن أين طعامك ؟ قالت : إذا كان آخر النهار ، جاءتني امرأة متزينة ، فتضع بين يدي كوزا من ماء ، ورغيفين ، قلت لها : أتعرفينها ؟ قالت : اللهم لا . قلت : هي الدنيا خدمت ربك ، جل ذكره ، فبعث إليك الدنيا فخدمتك .
ضده
زعموا أن زياد بن أبيه مر بالجدة ، فنظر إلى دير هناك ، فقال لخادمه : لمن هذا ؟ قيل له : هذا دير حرقة بنت النعمان بن المنذر ، فقال : ميلوا بنا إليه نسمع كلامها ، فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال لها : كلمي الأمير ، فقالت : أ أوجز أم أطيل ؟ قال : بل أوجزي ، قالت : كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا وما على الأرض أحد أعز منا ، وما غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدونا ، قال : فأمر لها بأوساق من شعير ، فقالت : أطعمتك يد