هذه النوبة ببغداد . فتغير وجه تميم ، وتكدر المجلس ، وقمنا ، فلحقني بعض خدمه ، فردني ؛ فلما وقفت بين يديه ، قال : ويحك ، أرأيت ما امتحنا به ، ولابد لنا من الوفاء ، ولم أثق في هذا بغيرك ، فتأهب لحملها إلى بغداد ، فإذا غنت هناك ، فاصرفها ، فقلت : سمعا وطاعة . ثم أصحبها جارية سوداء تخدمها وتعدلها ، وأمر بناقة لي ، فحمل عليها هودج ، وأدخلت فيه ، وسرنا مع القافلة إلى مكة ، فقضينا حجنا ، ثم لما وردنا القادسية ، أتتني السوداء فقالت : تقول لك سيدتي أين نحن ؟ فقلت : نحن الآن بالقادسية ، فأخبرتها ، فسمعت صوتا قد ارتفع منشدا :
لما رأينا القادسي ة حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجاز نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أح ب بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقا ء ، كما بكيت من الفراق
فصاح الناس من أقطار القافلة : أعيدي بالله ؛ فلم يسمع لها كلمة . فلما نزلنا الناصرية ، على خمسة أميال من بغداد ، في بساتين متصلة ، تبيت الناس فيها ، ثم يبكرون ببغداد ، فلما قرب الصياح ، إذ السوداء قد أتتني مذعورة ، فقالت : إن سيدتي ليست بحاضرة ؛ فلم أجدها ، ولا وجدت لها ببغداد خبرا ، فقضيت حوائجي ، وانصرفت إلى تميم ، وأخبرته خبرها ؛ فلم يزل واجما عليها . وأخبار القينات كثيرة ، فنقتصر منها على هذا القدر .
محاسن الجواري مطلقا
قيل : كان يقال : من أراد قلة المؤونة ، وخفة النفقة ، وحسن الخدمة ، وارتفاع الحشمة ، فعليه بالإماء دون الحرائر . وكان مسلمة بن مسلمة يقول : عجبت لمن استمتع بالسراري ، كيف يتزوج المهائر ؟ وقال : السرور باتخاذ السراري ؛ أهل المدينة يكرهون اتخاذ الإماء أمهات أولادهم ، حتى نشأ فيهم علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم ،