وقال بعضهم : الحفظ مع الإقلال أمكن ، وهو مع الإكثار أبعد . وتغيير الطبائع زمن رطوبة الغصن أقبل . وفيها قال الشاعر :
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وقيل : العلم في الصغر كالنقش في الحجر ، والعلم في الكبر كالعلامة على المدر . . فسمع ذلك ، الأحنف ، فقال : الكبير أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا ، كما قال :
وإن من أدبته في الصبا كالعود يسقى الماء في غرسه
حتى تراه مورقا ناضرا بعد الذي أبصرت من يبسه
والصبي عن الصبي أفهم ، وهو له آلف ، وإليه أنزع ؛ وكذلك العالم عن العالم ، والجاهل عن الجاهل . وقال الله تعالى : ' ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ' ، لأن الإنسان عن الإنسان أفهم ، وطباعه بطباعه آنس .
ضده
قال : دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب ، فقال : إني أكلت من لحوم الجوازئ ، وطسئت طسأة ، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دأية العنق ؛ فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الشراسيف ؛ فهل عندك دواء ؟ قال : نعم . خذ خوفقا وسربقا ورقرقا ، فاغسله واشربه بماء . فقال : لا أدري ما تقول ، قال : ولا أنا دريت ما قلت . قال : وقال يوما آخر : إني أجد معمعة في قلبي ، وقرقرة في صدري ، فقال له : أما المعمعة فلا أعرفها ، وأما القرقرة فهي ضراط غير نضيج . قال : وأتى رجل الهيثم بن العريان ، بغريم له قد مطله حقه ، فقال : أصلح الله الأمير ! إن لي على هذا حقا قد غلبني عليه . فقال له الآخر : أصلحك الله . إن هذا باعني عنجدا ، واستنسأته حولا ، وشرطت عليه أن أعطيه مياومة ؛ فهو لا يلقاني في لقم إلا اقتضاني ذهبا . فقال له الهيثم : أمن بني أمية أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن بني هاشم أنت ؟ قال : لا . قال : أفمن أكفائهم من العرب ؟ قال : لا . قال : ويلي عليك ! انزعوا ثيابه . فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال : أصلحك الله ، إن إزاري مرعبل . قال : دعوه ، فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا