تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا؛ لأننا نعتقد أن النفس البشرية تجد منها لها حاثا

ودافعا إلى إفادة غيرها ما تعتقد صلاحه ونفعه، ولذلك لا ننقم على مسيحي يريد

ويسعى في أن يجعل المسلمين نصارى بالطرق التي تقبلها الحكمة والآداب، ولكننا

نعد اتخاذ المطاعن البذيئة وطرق الغش والكذب وسائل لهذه الغاية وجريمة لا

يغفرها الله، ولا يرضي عنها المسيح ولا يقبلها ذو نفس شريفة تكره الكذب

والتزوير في المعاملات العادية عموما، والشؤون الدينية خصوصا.

ولقد كان ترفع المسلمين عن النظر إلى تلك الدنايا، وعدم اهتمام الحكومات

الإسلامية والعلماء والمفكرين من المسلمين بمراقبة ما تدبره هذه الجمعيات من

المكايد الخسيسة، لسببين - ولأمر أعظم ضررا من تنصير بعض المسلمين ممن لا

يعرفون من أمور دينهم شيئا. فإن النجاح الذي أدركه (المبشرون) في مشارق

الأرض ومغاربها منذ عشرات، بل مئات من السنين في تنصير المسلمين أقل من

أن يذكر. ذلك الأمر العظيم الضرر هو إلقاء عداوة المسلمين واحتقارهم في نفوس

الأمم الأوربية والأمريكية. وهو ما جعل تلك الأمم ترتاح لوقوع الأمم الإسلامية في

شراك الدول الاستعمارية، وصيرها لا تتأثر إذا اقترف أمثال البلغار والصرب

واليونان والإفرنسيين والإنكليز في الديار الإسلامية فظائع كانت أوربة وأميريكة لا

تغتفرانها لو اقترفها هؤلاء في بلاد أمم مسيحية.

نعم إن الحق لا يعدم نصيرا. ولقد رأينا في السنين الأخيرة ما يثبت ذلك من

تغير الآراء في ألمانية نحو المسلمين بتأثير الكتب والمقالات التي كتبها القواد

والضباط والجنود والموظفون والعلماء الألمان ذاكرين فيها ما لاحظوه وما شاهدوه

وما اختبروه من أحوال المسلمين في أثناء الحرب العالمية. ولكن ذلك لا يكفي في

إيضاح الحقائق عن الدين الإسلامي وأهله، فإن دعاة السوء لا يزالون مستمرين في

العالم كله على وصف هذا الدين وأهله بأشنع الأوصاف وحمل العالم المسيحي

والوثني على اعتقاد أن كل اعتداء على الشعوب الإسلامية عمل خيري، وأن كل

نقمة تحل بالمسلمين نعمة للمسيحيين وغيرهم.

ولذلك نرى أن من الواجب على الدول الإسلامية التي بقيت محافظة على

استقلالها أن تنظم وسائل الدفاع عن دينها وسمعة أممها في العالم. وعلى الكتاب

المسلمين أن يجدوا في إفهام العالم الحقائق التي يحاول أولئك المجرمون طمسها.

ويسمح لنا حضرات علماء الأزهر والزيتونة والفاتح وغيرهم أن نقول: إن

أولئك المعتدين على دينهم وكرامة أمتهم يتعلمون اللغات العربية والتركية والفارسية

والهندية تعلما جيدا؛ ليتطاولوا على الإسلام والمسلمين، فلماذا يمتنع علماؤنا من

تعلم اللغات الإنكليزية والإفرنسية والألمانية وغيرها؛ ليدفعوا تلك الأراجيف

والأكاذيب ويظهروا للأمم فضائل هذا الذين التي تفوق جميع فضائل الأديان

الموجودة في العالم؟ إن العلماء بتمكنهم من دقائق هذا الدين ومعرفة أموره التي لا

تصل إليها مدارك غيرهم هم أحق الناس بالقيام بهذا الواجب الذي نسعى نحن الذين

تنقصنا الوسائل الكثيرة إلى تأديته!

وعسى أن يسمع صوتنا، فنرى حضرات الكتاب والمفكرين عموما والعلماء

خصوصا قد اهتموا بالأمر واشتغلوا بإنفاذه بكل ما أوتوا من نشاط وهمة وكفاءة،

ونجد وفود علماء الإسلام تتجول في أوربة وأميريكة؛ لتنير للشعوب الغربية تلك

الظلمات وتهتك تلك الحجب التي نسج برودها أولئك الأفاكون المختلقون الذين نعتقد

أن المسيح عليه السلام يبرأ مما صنعوا ويصنعون باسمه الكريم!

(المنار) سواء وصل صوتك أو لم يصل {فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع

الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين} (الروم: 52) وقد ارتفع قبل صوتك الشريف

أصوات أفراد آخرين رأوا شيئا مما رأيت وشيئا مما لم تره، ولكن الإسلام ليس له

دولة تسمع وتبصر، وتعقل وتشعر فتعمل، وأكثر حملة العمائم موتى القلوب كمه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٧٤