والقول الذي قلناه هو وجه الكلام والمعنى الصحيح، لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه، فأولى الكلام أن يتبع ذلك ذمه إياهم، وذم فعلهم دون الخبر عن هوانهم على ربهم، ولما يجر لاستكبارهم عليه ذكر؛ فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ [الفرقان: 57] يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وما أرسلناك﴾ [الإسراء: 54] يا محمد إلى من أرسلناك إليه ﴿إلا مبشرا﴾ [الإسراء: 105] بالثواب الجزيل من آمن بك وصدقك، وآمن
بالذي جئتهم به من عندي، وعملوا به ﴿ونذيرا﴾ [البقرة: 119] من كذبك وكذب ما جئتهم به من عندي، فلم يصدقوا به، ولم يعملوا
﴿قل ما أسألكم عليه من أجر﴾ [الفرقان: 57] يقول له: قل لهؤلاء الذين أرسلتك إليهم، ما أسألكم يا قوم على ما جئتكم به من عند ربي أجرا، فتقولون: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه، فلا نتبعه فيه، ولا نعطيه من أموالنا شيئا
﴿إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ [الفرقان: 57] يقول: لكن من شاء منكم اتخذ إلى ربه سبيلا، طريقا بإنفاقه من ماله في سبيله، وفيما يقربه إليه من الصدقة والنفقة في جهاد عدوه، وغير ذلك من سبل الخير
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده، وكفى به بذنوب عباده خبيرا﴾ [الفرقان: 58] يقول تعالى ذكره: وتوكل يا محمد على الذي له الحياة الدائمة التي لا موت معها. فثق به في أمر ربك، وفوض إليه، واستسلم له، واصبر على ما نابك فيه
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن · الجزء ١٧ · الصفحة ٤٧٩