الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الأسئلة والأجوبة الدينية
(1) من الشيخ أحمد محمد الألفي في طوخ القراموص: من أين أخذتم
وتأخذون الأحكام التي أجبتم وتجيبون بها على أسئلتنا عدا ما نقلتموه عن الغزالي؟
أهي باجتهاد منكم خاصة أم من مذاهب الأئمة المجتهدين أم خليط من هذا وذاك؟
اه بنصه.
(ج) لا نكتب جوابا على إطلاقه إلا إذا قام عندنا دليل على صحته توصلنا
إليه ببحثنا واجتهادنا، ولم نكتب جوابا مخالفا لمذاهب الأئمة المجتهدين.
***
(2) ومنه: هل يصح للمناظر أن يستدل بأقوال الأصوليين والمتكلمين
والمحدثين والمفسرين والفقهاء المجتهدين والصوفية طبقة بعد أخرى؟ أم لا بد أن
يكون الدليل من الكتاب والسنة ليس إلا؟ وهل الإجماع والقياس من أصول الدين
كالكتاب والسنة في الاستدلال أم لا؟ وهل الآحاد لا يجوز العمل والاستدلال
بروايتها إذا ثبتت صحتها؟ وإلا فما الفائدة منها؟ اه بنصه.
(ج) إنما يستدل المناظر بما تقوم به الحجة على خصمه، فمن كان يناظر
من يحتج بكلام هؤلاء العلماء، يصح له أن يحتج عليه بكلامهم لأجل الإلزام كما
هو معلوم من فن المناظرة، وأما الإجماع والقياس فالجماهير يعدونهما من أصول
الاستدلال في الفقه على خلاف ترونه في محاورات المصلح والمقلد الآتية، وبهذا
تعلمون أنهما ليسا محل وفاق كالكتاب والسنة، وأما أحاديث الآحاد الصحيحة فيحتج
بها في كل ما يكتفى فيه بالظن كالأحكام، وأما ما يطلب فيه القطع كالاعتقادات فلا
يستدل عليه بالآحاد، هذا ما اتفقوا عليه في جملته. وفي التفاصيل والجزئيات
خلاف الحنفية في ترك أحاديث الآحاد التي تخالف القياس الجلي.
***
(3) ومنه: ما نقلتموه عن الغزالي من تقسيم العلوم إلى محمود ومذموم
ليس غرضنا؛ وإنما مرادنا هل قال أحد من المجتهدين بمنع تعلم وتعليم العلوم
النافعة في الدنيا والآخرة الخالية من الإلحاد والمفسدة، حتى يمكن أن يقال: إن
مذاهبهم فيها ما يمنع الترقي المادي والمعنوي؟ وهل علم الكلام وعلم التصوف
وتدوينهما فنا مستقلا كغيرهما من العلوم الحادثة بحدوث الإسلام على ما ذهب إليه
أئمة الهدى، ومصابيح الدجى من جمهور أهل السنة والجماعة يعد مفسدة في الدين
والدنيا؟ وإذا كان كذلك فما حكم من عمل بهما من المسلمين؟ وإلا فما معنى انتقاد
تدوينهما والأخذ بأحكامهما؟ اه بنصه.
(ج) ما كان يخطر في بالنا أن أحدا يسأل السؤال الأول، فكيف يسأله من
يعلم من توقيع مكاتبيه أنه (خادم العلوم والآداب) ، وكيف يمنع مجتهد في العلم
تعليم ما ينفع في الدنيا والآخرة ولا ضرر فيه مطلقا! ! ! أما العلوم النافعة في
الدين فهي علوم المجتهدين الذين تعنيهم، وأما العلوم الكونية التي يرجى أن ترتقي
بها مدنية المسلمين وترتقي دنياهم فلم تنتشر فيهم إلا بعد الأئمة الأربعة، وقد شن
الغارة على أصحابها علماء مذاهبهم وذموا علومهم وحرموها، ورموا المشتغلين بها
بالكفر والإلحاد كابن سينا وابن رشد والفارابي والغزالي وكمال الدين بن معية
وأضرابهم.
وما زالوا يطاردونهم ويستعينون بالأمراء عليهم حتى اضمحلوا وتلاشت
علومهم، ثم عادوا إلى الاعتراف بفضل بعضهم كالإمام الغزالي الذي حكموا بإحراق
كتابه (إحياء علوم الدين) في الشرق والغرب حتى كان يحرق في أسواق القاهرة
أكداسا أكداسا، وما أجمعوا على فضله بعد موته إلا لأنه زهد في الدنيا، وقضى
سائر عمره في التأليف في الأخلاق والرقائق، وقد كان من تأثير هذه الغارة أن
المسلمين تركوا تلك العلوم حتى الطب منها، وقد شكا الغزالي في إحيائه من فقد
الأطباء المسلمين، ومما كذب به مزاعم الفقهاء الذين يزعمون أنهم يشتغلون بدقائق
الفقه؛ لأنه فرض كفاية أنهم لو كانوا صادقين لأحيوا فن الطب؛ لأنه من فروض
الكفايات المتروكة بخلاف الفقه، ولا يزال فقهاؤنا إلى اليوم يذمون علوم الدنيا مع
علمهم بأن الدين لا يحفظ إلا بالدنيا، وأن القوة فيها موقوفة في هذا العصر على هذه
العلوم والفنون.
ولعل السائل لم ينس المقالات التي كتبت في المؤيد منذ نحو سنة في ذم الحساب
والهندسة وتقويم البلدان، فالمنتقدون في هذا المقام ينتقدون أمثال هؤلاء الذين يعتقد
عامة المسلمين أنهم حفظة الدين، لا أنهم ينتقدون الأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد رضي الله تعالى عنهم.
وأما علم الكلام فقد حدث في الملة على عهد الأئمة، فحرموه وذموه، وقد
نقلنا أقوالهم في ذلك في المسألة (52) من الدرس السابع عشر من الأمالي الدينية
المنشور في الجزء الأخير من مجلد المنار الثالث، وقد جمعنا ثمة بين أقوالهم،
وبين ما ذهب إليه الخلف من استحسان علم الكلام والقول بلزومه، فراجعه.
وأما علم التصوف فهو على قسمين: القسم الأول ما يتكلمون فيه على تهذيب
الأخلاق وتأديب النفوس بآداب الدين، ومحاسبتها على الإخلاص لله تعالى،
ومطالبتها بكمال التوحيد الذي لا يشهد صاحبه فعلا لغير الله تعالى، ويرى الخلق
مسخرين في قبضته، مع عدم الغفلة عن الأسباب التي اقتضتها الحكمة وتم بها
النظام، وهذا هو لباب الشريعة، ورجاله رجال الرسالة القشيرية وأضرابهم رضي
الله تعالى عنهم، وكان هؤلاء على طريقة الصحابة والتابعين في أخلاقهم وآدابهم
وزادوا عليهم الكتابة والتأليف - ونعمت الزيادة - والمبالغة في ترك الدنيا وذمها
زهدا فيها، وقد كان لهذا أثر بين في كسل المسلمين وتقاعدهم عن الترقي في الدنيا،
وقد بينا عذرهم في بعض ما كتبنا، ولعلنا نذكره في المنار بعد، وهذا القسم من
التصوف يسمونه التخلق.
والقسم الثاني: يسمونه التحقيق، وعلمه علم الأسرار، ويتكلمون فيه عن
الأذواق والمواجد، وعما وراء الحس من عوالم الغيب، وعن الذات الإلهية
والصفات العلية ووحدة الوجود، وهنالك المهامه الفيح، والجبال الشاهقة، والبحار
المغرقة التي تاه فيها الأدلاء، وغرق فيها الملاحون، وكان التأليف فيها طامة
كبرى ومصيبة عظمى، ولقد كان الشيوخ الأجلاء ينكرون الكلام فيها، فما بالك
بالتأليف حتى إن الأستاذ الجنيد أفتى مع الفقهاء بقتل الحلاج، أما منبع هذه الطريقة
فهو الصين، ثم انتشرت في الهند، وانتقلت وساوسها إلى اليونان، ولما امتدت
الفتوحات الإسلامية، وامتزج المسلمون بجميع أمم الأرض مزجوا علومهم بما
أخذوه عن تلك الأمم، وصبغوه بصبغة الدين، ولونوه وذهبوا فيه مذاهب شتى،
وكان أشد تلك المذاهب فتكا في الإسلام مذهب الباطنية وله شعب وفروع، وقد راج
كثير من مسائله على كثيرين من أهل السنة باسم هذا القسم الثاني من التصوف،
وقد شرحنا هذا في أجزاء من المنار وسنفصله بعد تفصيلا، وقد شن الغارة
المتكلمون والفقهاء على أهل هذا القسم من المتصوفة، وأفتوا بكفرهم، وساعدهم
عليهم الأمراء بالقتل والنفي، وأتذكر أنهم سلخوا جلود عدد كبير منهم في مصر
القاهرة في يوم مشهود، وربما أخذ البريء بجريرة الأثيم، وقتل الصادق بذنب
المارق.
والحاصل أن الميزان الذي يعرف به الحق والباطل والراجح في دين الله
والمرجوح هو كتاب الله المعصوم والسنة النبوية الشريفة المبينة له، وسيرة أهل
الصدر الأول العاملين به على أكمل الوجوه، وكل أحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه،
إلا المعصوم كما نقل عن الإمام مالك رضي الله عنه.
وقد طال الكلام وسنجيب على بقية الأسئلة التي تفيد الأمة في الجزء الآتي
إن شاء الله تعالى.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>