تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الحنين إلى الوطن

قال في المسامرة: حدثنا أبو مصعب بن محمد بن مسعود الخشني الخطيب

الأديب قاضي كورة حيان بمسجد الأخضر بمدينة أشبيلية قال: لما حملت نائلة بنت

الفرافصة الكلبية إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه كرهت فراق أهلها، فقالت

لضب أخيها:

ألست ترى بالله يا ضب أنني ... مرافقة نحو المدينة أركبا

أما كان في أولاد عمرو بن عامر ... لك الويل ما يغني الخباء المحجبا

أبى الله إلا أن أكون غريبة ... بيثرب لا أم لدي ولا أبا

قال: وأنشدني ابن سكر بها بمسجد الشهداء:

ألا يا حبذا وطني وأهلي ... وصحبى حين تذكرني الصحاب

بلاد من غرانقة كرام ... بهم حلى تميمتي الشباب

وما عسل ببارد ماء مزن ... على ظمأ لشاربه يشاب

بأشهى من تلقيكم إلينا ... فكيف لنا به ومتى الإياب

وأنشدتني خديجة بنت عبد الوهاب بن هبة الله الصوفي القصار قول

الأعرابية التي كان يهواها بعض خلفاء بني العباس، فتزوج بها، فلم يوافقها هواء

البلاد، فلم تزل تنحل وتعتل وتتأوه مع ما هي عليه من النعيم واللذة والأمر والنهي

فسألها عن شأنها فأخبرته بما تجد من الشوق إلى البراري، وأحاليب الرعاء،

وورود المياه التي تعودت، فبنى لها قصرا على رأس البرية بشاطئ الدجلة سماه

المعشوق، يقابل مدينة سامرا من الجانب الآخر، وأمر بالأغنام والرعاء أن تسرح

بين يديها وتتراءى أمامها، فلم يزدها ذلك إلا اشتياقا إلى وطنها، فمر بها يوما في

قصرها من حيث لا تشعر بمكانه، فسمعها تنتحب وتبكي حتى ارتفع صوتها وعلا

شهيقها، وكبد الخليفة يتقطع رحمة فسمعها تقول:

وما ذنب أعرابية قذفت بها ... صروف النوى من حيث لم تك ظنت

تمنت أحاليب الرعاة وخيمة ... بنجد فلم يقض لها ما تمنت

إذا ذكرت ماء العذيب وطيبه ... وبرد حصاه آخر الليل حنت

لها أنة عند العشاء وأنة ... سحيرا ولولا أنتاها لجنت

فخرج عليها الخليفة وقال: قد قضي ما تمنيت، فالحقي بأهلك من غير

طلاق، فما مر عليها وقت أسر من ذلك، وسرى ماء في وجهها من حينها، فعجب

الخليفة، والتحقت بأهلها بجميع ما كان عندها في قصرها، وكان الخليفة يهواها

ويغشاها في أهلها إذا تصيد اه.

أقول: ومن هذا الباب قول بعضهم:

وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٤ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٤ · ص ١٠٣