تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكسروية كسرى وآسية الصغرى وشطر أفريقية الشمالي كله في جيل واحد - كان من

خوارق سنن التواريخ أيضا، كما كانت قدرة هؤلاء الأميين الذين غلبت عليهم

طبيعة البداوة على إدارة هذه الممالك المختلفة الأجناس واللغات والأديان

والحضارات، المترامية الأرجاء من المحيط الأطلس إلى حدود الهند، وحفظ الأمن

وإقامة العدل فيها - يكاد يكون من آيات الإسلام أيضا. أفيعقل أن تجري أمور هذه

الأقطار في حكومتها بتأثير الآيات وما يشبه الخوارق طول الحياة؟ أليس مما

تقتضيه طبيعة البشر أن يوجد في العرب محبون للرئاسة لمحض التمتع بعظمتها

ولذاتها؟ أليس من الطبيعي أن يقوم من اليهود مثل عبد الله بن سبأ يكيد لدين

الإسلام وأهله؟ أليس من الطبيعي أن تؤلف تلك الجمعيات من مجوس الفرس الذين

لبسوا لباس الإسلام يكيدون للعرب ولملك العرب ولدين العرب الذي جمع كلمتها

وأعطاها من القوة ما تمكنت به من إزالة ملك الفرس العظيم القدر، القديم العهد في

سنوات معدودات؟

كل هذا مما سبق لنا بيانه بالتفصيل وهو من سنن الاجتماع البشري - ولكن

العبرة فيه لمن يعتبر. أنه لم يوجد في تلك المملكة الإسلامية الكبرى أحد شكا من

الشريعة الإسلامية أو رماها بالظلم، لا عربي ولا عجمي، لا يهودي ولا نصراني

ولا مجوسي ولا وثني - وإنما رمي بالظلم أفراد من عمال عثمان ثم من غيرهم،

وهذا مما لا تسلم منه حكومة ولا جماعة من البشر.

وقد بينا في كتاب الخلافة وغيره أن العدل العام كان هو الغالب في الدولة

الأموية المطعون في خلافتها، وإنما كان الظلم المبين فيها خاصا في الغالب بما

يتعلق بحفظ سلطانهم ومقاومة خصومهم وما يستلزمه من سوء التصرف في بيت

المال، وما عدا هذا مما يؤاخذون به فذنوب شخصية لا يلقي لها أهل هذا العصر

بالا. ومثل هذا يقال في الخلفاء العباسيين. فجميع مقاصد الخلافة كانت حاصلة في

عهد الفريقين، ولكن مع عظمة الملك كما قال ابن خلدون.

وإنما كلامنا اليوم مع إخواننا الترك في تفضيل التشريع الإسلامي على

التشريع الأوربي - ويقول شيخ الصحافة التركية: إنه لا حق لنا فيه، ويحتج بما

حدث من الفتنة في زمني عثمان وعلى رضي الله عنهما، وبتفضيل زمن الشيخين

على زمن الصهرين، وهو يعلم حق العلم أن الفتن التي سماها بالفوضى لم يكن

سببها الشريعة ولا التشريع - كما أن التشريع الأوربي وشكل الحكومات فيه ليسا

بعاصمين من الفتن ولا من الفوضى، وما فيها من نظام حسن كنظام الشرطة

والشحنة (البوليس والضابطة) ليس مما يمنعه الشرع الإسلامي، بل قد يوجبه إذا

لم يوجد نظام أحفظ للأمن منه، وكذلك النظام العسكري، ولكن التشريع الإسلامي

يمنع كل ما يهدد الحضارة الأوربية من تعاليم البلشفية والفوضوية والاشتراكية

المسرفة كما بيناه في كتاب الخلافة، وإن صاحب جريدة إقدام لأعلم منا بالفتن التي

تضطرم في ممالك أوربة بالخطر الذي يهددها، ولهذا دعونا الشعب التركي الباسل

أن يجدد حكومة الخلافة الإسلامية لخدمة الإنسانية، وأن يكون قدوة لأوربة لا مقلدا

لها في عهد اضطراب مدنيتها المادية التي آن لميكروبات الفساد المتغلغلة فيها أن

تقضي عليها، فما كان ينبغي للسياسي المحنك جودت بك أن يعجل بتخطئتنا في

هذه الدعوة قبل أن يدرس ما كتبناه فيها.

(2) اعتذر جودت بك عن إفساد الجند التركية للخلافة العباسية وثله

لعرشها بأنه (صدر من هؤلاء أمور غير مناسبة) قال: ولكن من المعلوم جنوح

الخلفاء العباسين لعدم الاعتقاد، فإذا صار الخلفاء إلى ذلك، فماذا يصنع الجندي

الجاهل الذي في خدمتهم؟

مثل هذا التعليل والاعتذار يعهد في المجادلات السياسية، دون ما نحن فيه من

الحقائق التاريخية للحكومات الإسلامية! فالذي صدر عن ذلك الجند ليس (أمورا غير

مناسبة) بل أفظع الجنايات والخيانات للدين والدولة؛ إذ كان الجندي يدمر على

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٦٢