بنصوصها القطعية والإجماع، بكلام بعض المحققين الذين يذعن السائل الفاضل
لتحقيقهم:
قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي الغرناطي في سياق المسألة الثانية
عشرة من كتاب الأحكام من كتابه (الموافقات) ما نصه:
(إن محال الاضطرار مغتفرة في الشرع، أعني أن إقامة الضرورة معتبر،
وما يطرأ عليه من معارضات المفاسد مغتفر في جنب المصلحة المجتلبة كما
اغتفرت مفاسد أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وأشباه ذلك (أي كالخمر) في جنب
الضرورة لإحياء النفس المضطرة ا. ه (صفحة 103ج1) .
إن أصول الشاطبي التي حققها في كتاب المقاصد تبني أحكام الشريعة كلها
على أساسي: مراعاة مصالح الخلق ودفع المفاسد عنهم في الأمور الثلاثة:
الضروريات والحاجيات والتحسينيات.
والضروريات هي الكليات الخمس المشهورة: حفظ الدين، والنفس، والنسل،
والمال، والعقل (ص4ج2) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح قاعدته الثانية في العقود - حرامها
وحلالها - فصلا فيما عمت به البلوى، ومست إليه الحاجة في كثير من بلاد الإسلام
من إجارة الأرض المشتملة على الغرس والمباني التي اختلف الفقهاء في أحكام
إجاراتها، فأطال الكلام فيها، وذكر ما للناس من الحيل لاستباحة المحظور منها، ثم
أتى بقاعدة عامة في يسر الشريعة وهو ما نريده من كلامه، فقال جزاه الله خيرا:
(فالمقصود المعقود عليه ظاهر، والذين لا يحتالون أو يحتالون - وقد ظهر
لهم فساد هذه الحيلة - هم بين أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدون أنهم
فاعلون للمحرم كما رأينا عليه الناس، وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار
الداخلة في هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله.
وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان، فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد
الأموال التي لا تأتي بها شريعة قط، فضلا عن شريعة قال الله فيها: {وما جعل
عليكم في الدين من حرج} (الحج: 78) وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف
عنكم} (النساء: 28) وفي الصحيحين: (إنما بعثتم ميسرين) (يسروا ولا
تعسروا) (ليعلم اليهود أن في ديننا سعة) فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه
حرج وهو منتف شرعا. والغرض من هذا أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن للأمة
التزامه قط لما فيه من الفساد الذي لا يطاق، فعلم أنه ليس بحرام، بل هو أشد من
الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد
صلى الله عليه وسلم، ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية
على قوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ (البقرة: 173)
﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ (المائدة: 3)
اه. المراد منه.
فالقاعدة الشرعية المستندة إلى نص هذه الآيات العامة لجميع أحكام الشريعة
هي أن المحرم لذاته - وهو ما كان ضارا بذاته - يباح للضرورة، ويليها قاعدة
أخرى متممة لها، وهي أن ما كان محرما لسد الذريعة يباح للمصلحة الراجحة، ولا
يشترط فيه الضرورة. وقد شرح ذلك المحقق ابن القيم في بحث الربا من كتابه
(إعلام الموقعين) فإنه أثبت أن صنعة الحلية لها قيمة فليس من الربا أن تباع بأكثر
من وزنها دراهم إن كانت فضة، أو دنانير إن كانت ذهبا، ومما وضحه به قوله:
(يوضحه أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدا للذريعة كما تقدم بيانه، وما
حرم سدا للذريعة، أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما
أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب
والشاهد والطبيب والعامل من جملة النظر المحرم، وكذلك تحريم الذهب والحرير
على الرجال حرم لسد ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه
الحاجة. وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها؛
لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، وتحريم التفاضل إنما كان سدا للذريعة. اه.