تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرب الخمر شرب، وإن اضطر إلى الميتة أكل. وفي رواية أخرى أنه قال في

تفسير الباغي والعادي: هو الذي يقطع الطريق فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل

الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر اه. فناط أكل الميتة وشرب الخمر بمجرد

الجوع والعطش أي مع عدم وجود غيرهما، ولم يشترط فيه الخوف على نفسه أن

تهلك أو تمرض أو تضعف ضعفا شديدا فهو يعد من الضرورة فقد الطعام والشراب

المباح مع الحاجة، ونظيره إباحة التيمم. وهو موافق ما حققه ابن العربي في عده

الفقر من الضرورة المبيحة ويؤيده ما يأتي من السنة.

وأما السنة - وقد أخرناها لأنها القاضية على كل ما قيل في تفسير الآية - فمنها

حديث أبي واقد الليثي قال: قلت: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا مخمصة فما يحل

لنا من الميتة فقال: (إذا لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها)

وقد رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات كما قال في مجمع الزوائد [2] .

وفي معناه حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: (إن أهل بيت كانوا

بالحرة محتاجين قال: فماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم فرخص لهم رسول الله

صلى الله عليه وسلم في أكلها فعصمتهم بقية شتائهم. أو سنتهم) رواه أحمد. وفي

لفظ: إن رجلا نزل بالحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن

وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت فقالت له امرأته: انحرها فأبى

فنفقت - أي ماتت - فقالت: اسلخها حتى نقدر [3]- وفي رواية: نقدد - شحمها

ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله فقال:

هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوه، قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر

فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك. رواه أبو داود، وسكت عنه هو

والمنذري.

وهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أن المضطر إلى أكل الميتة ونحوها

هو من لا يجد قوتا يغنيه عنها، وأنه يأكل ما يكفيه عادة - كما هو مذهب مالك - فلا

يبغيه وهو يجد عنه غنى، ولا يعدو حد الحاجة التي يقوى منها على السعي والعمل

إلى حد البطنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينط إفتاءه بخوف الهلاك أو الضرر

الذي لا يحتمل، ولم يأمر بالاقتصار في الأكل على ما يسد الرمق، بل ناطها بالحاجة

إليها، وعدم ما يغني عنها، ولما نقل الحافظ ابن حجر قول من قال: (إنه يجوز أكل

المعتاد للمضطر في غير أيام الاضطرار) قال: وهو الراجح لإطلاق الآية. ويؤخذ

من هذا أن من كان مسافرا في أرض شديدة البرد والثلج والجليد كالبلاد الشمالية، ولم

يجد ما يدفع عنه ضرر البرد ولا وقودا يذيب به الثلج ليشرب منه - أن له أن يشرب

من الخمر ما يدفع عنه البرد الضار والظمأ ما دام لا يجد ما يغني عنها، غير متجانف

لإثم - أي غير باغ النشوة والسكر - ولا عاد حد ما يدفع الضرر.

هذا وإن شرب الخمر ليس من موضوع مسألتنا، وإنما موضوعه الأصلي

الطلاء الذي تطلى به الجدران وخشب البيوت والأثاث فيكون به نظيفا جميلا طويل

العمر غير قابل لامتصاص الأقذار النجسة الضارة وغيرها، فالسائل الفاضل

يحرمه؛ لأنه يعالج بالسبيرتو، وهو - أي الطلاء - ليس بشراب ولا قذر ولا يمكن

أن يكون ذريعة للسكر، وبذلك انجر الكلام إلى البحث في السبيرتو وسائر ما

يستحضر به من الأدوية وغيرها.

وإننا نرى الثقات من الأطباء والجراحين يجزمون بأن استعمال السبيرتو في

التطهير والوقود المتعلق به واستعمال الأدوية المستحضرة به يصل إلى حد

الضرورة في بعض الأحيان والأحوال، ولا سيما حال الحرب بحيث إذا ترك يقع

الضرر العظيم كتلف بعض الأعضاء المجروحة وبقية المقطوعة، وإنه في غير

حال الضرورة من الحاجات التي عمت بها البلوى في طب الأبدان والأسنان

والجراحة بحيث يكون حظره والمنع منه حرجا عظيما.

مسألة عموم البلوى ويسر الشريعة:

وإننا نوضح مسألة عموم البلوى ويسر الشريعة ورفع الحرج الثابت

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٣٤٨