وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قول من قال: عني به: سل مؤمني أهل الكتابين فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سل الرسل، فيكون معناه: سل المؤمنين بهم وبكتابهم؟ قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أتوهم به عن ربهم، فالخبر عنهم وعما جاءوا به من ربهم إذا صح بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم إذا كان المسئول من أهل العلم بهم والصدق عليهم، وذلك نظير أمر الله جل ثناؤه إيانا برد ما تنازعنا فيه إلى الله وإلى الرسول، يقول: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: 59] ومعلوم أن معنى ذلك: فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، لأن الرد إلى ذلك رد إلى الله والرسول وكذلك قوله: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا﴾ [الزخرف: 45] إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلنا، فاستغنى بذكر الرسل من ذكر الكتب، إذ كان معلوما ما معناه
وقوله: ﴿أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: 45] يقول: أمرناهم بعبادة الآلهة من دون الله فيما جاءوهم به، أو أتوهم بالأمر بذلك من عندنا وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد قال: ثنا أحمد قال: ثنا أسباط، عن السدي، ﴿أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: 45] «أتتهم الرسل يأمرونهم بعبادة الآلهة من دون الله؟» PageEndV20P607 وقيل: ﴿آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: 45] ، فأخرج الخبر عن الآلهة مخرج الخبر عن ذكور بني آدم، ولم يقل: تعبد، ولا يعبدن، فتؤنث وهي حجارة، أو بعض الجماد كما يفعل في الخبر عن بعض الجماد وإنما فعل ذلك كذلك، إذ كانت تعبد وتعظم تعظيم الناس ملوكهم وسراتهم، فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن الملوك والأشراف من بني آدم