القلقة لأجل أن يتلقوا بها تفسير القرآن وشروح الحديث وفقه المذاهب السنية
والشيعية والإباضية من أنقرة بلغة واحدة؟ وإن فرض عليهم هذا وقبلوه بأن مسخ
الله عقولهم وقلوبهم فجعلهم بذلك كالخمسة والعشرين، فمن ذا الذي يعلمهم هذه اللغة؟
أيوجد في الآستانة والأناضول معلمون يكفون لنشر هذه اللغة من أقصى المشرق
إلى أقصى المغرب مستمدين تنقيحها المتصل من جمعية (تورك أوجاغي)
الطورانية؟ إذا فرضنا إمكان كل ما ذكر، فلا تبحث في المال الذي ينفق في هذه
السبيل فهو أيسر الأمور بالنسبة إلى تلك العقبات الكأداء التي فرضنا أن الاقتراح قد
اقتحمها قبل ذلك.
(السابع) : قلنا: إن هذا الاقتراح لا تقبله الشعوب الإسلامية إلا إذا مسخت
عقولا وقلوبا فأمست لا تميز بين المفاسد والمصالح ولا بين المعقول وغير المعقول
في دنيا ولا دين، وإننا نبين ذلك ببرهاني العقل والدين فنقول:
أما برهان العقل فلا نطرق فيه باب تفضيل اللغة العربية بنفسها على التركية
أو العثمانية، وهو ما لا يختلف فيه اثنان من العارفين، ولا باب تفضيلها بكونها
لغة هذا الدين الذي نريد التخاطب في شأنه؛ بل نقول: إن لغة شطر القارة
الإفريقية الشمالي من الغرب إلى الشرق وشطر آسية الشرقي من البحر الأحمر إلى
خليج فارس هي اللغة العربية، وفي هذه البلاد مهد الإسلام، ومهبط وحيه،
ومهوى أفئدة أهله، وقبلة صلاتهم ومشعر نسكهم، ومثابتهم التي يؤمها مئات
الألوف من جميع شعوبهم على اختلاف أقطارهم في كل عام. وهذه اللغة هي التي
يتعبد بها جميع هؤلاء المسلمين، ويتلقون دينهم منها في جميع الأقطار، فلا يوجد
بلد يقام فيه الدين إلا ويوجد فيه بعض العلماء الذين يعرفون هذه اللغة. فعلماء
الترك والفرس والأفغان والهند والصين والملاو وغيرهم من الأعاجم يعرفون هذه
اللغة ويتخاطبون بها، ولا يزالون كذلك ما داموا مسلمين، فهل من المعقول -
والحالة هذه - أن يترك جعلها اللغة العامة لتعارف المسلمين وتوثيق عرى الدين
بينهم ويتكلف إقناعهم باختيار لغة أخرى عليها لا يعرفها إلا عدد قليل وهم
المتعلمون من ترك الرومللي والأناضول وبعض العرب الذين كانوا عثمانيين؟
إن من القواعد المتفق عليها عند علماء المعقول، المعدودة عند المتكلمين من
مقدمات براهين التوحيد: أن الترجيح بغير مرجح، محال، وأن ترجيح المرجوح
محال بالأولى، وهذه المسألة من القسم الثاني بغير مراء، وكون اللغة التركية لغة
أكبر دولة إسلامية لا يصلح مرجحا في هذا المقام. على أنه غير مسلم، فإن دولة
مصر أكبر من دولة أنقرة وأعلم بالدين وأقدر على نشره.
وأما برهان الدين فقد علم بالإجمال مما قبله، وهو أن العربية هي لغة الدين
الإسلامي لا يمكن العلم الصحيح به ولا العمل الصحيح بإقامة أعظم عباداته إلا بها،
فيتعين أن تكون هي اللغة الوحيدة للتعاون بين الشعوب الإسلامية على إحياء
هدايته ونشر تعاليمه وبث عقائده وأحكامه، وإننا نزيد على ذلك أن تعلمها فرض
شرعي على جميع هذه الشعوب، وأن الاستغناء عنها بغيرها يفضي إلى إضاعة
الإسلام، وهو ما نبينه في الفصل التالي.
***
(2)
العربية لغة الإسلام الواجبة على جميع المسلمين:
للإسلام لغة ذكرها الله في كتابه المجيد (الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) وأجمع عليها علماء المسلمين سلفا وخلفا،
علما وعملا، ولم يفتح المسلمون العارفون حقيقة الإسلام بلدا إلا ونشروها فيه كما
نشروا الدين، بل بنشر الدين، بل ما نشروا الدين إلا بها؛ إذ لا مظهر له سواها،
ثم هضم الأعاجم حقها بالجهل، ثم بالعصبية الجاهلية العمية، فقصر خلفهم عما
اجتهد فيه سلف الأمة الإسلامية الصالح منهم ومن غيرهم، ولكن لم يبلغ الجهل ولا
العصبية من أحد منهم أن يقول بمثل قول الخمسة والعشرين الذين اقترحوا في هذه