فيما بلغنا من لا يشرب الماء دهرا اكتفاء بشرب الخمر عنه، فقولهم في ذلك غير
المعقول المعلوم من حال شاربها. (والوجه الآخر) أنه إن كان كذلك كان الواجب
أن نحيل مسألة السائل عنها ونقول: إن الضرورة لا تقع إلى شرب الخمر، وأما
قول الشافعي في ذهاب العقل فليس من مسألتنا في شيء؛ لأنه سئل عن القليل الذي
لا يذهب العقل إذا اضطر إليه. وأما قول مالك: إن الضرورة إنما ذكرت في
الميتة ولم تذكر في الخمر، فإنما في بعضها مذكورة في الميتة وما ذكر معها، وفي
بعضها مذكورة في سائر المحرمات، وهو قوله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم
عليكم إلا ما اضطررتم إليه} (الأنعام: 119) وقد فصل لنا تحريم الخمر في
مواضع من كتاب الله في قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم
كبير} (البقرة: 219) وقوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها
وما بطن والإثم} (الأعراف: 33) وقال: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر
والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (المائدة: 90)
وذلك يقتضي التحريم. والضرورة المذكورة في الآية منتظمة لسائر المحرمات،
وذكره لها في الميتة وما عطف عليها غير مانع من اعتبار عموم الآية الأخرى في
سائر المحرمات، ومن جهة أخرى أنه إذا كان المعنى في إباحة الميتة إحياء نفسه
بأكلها وخوف التلف في تركها، وذلك موجود في سائر المحرمات وجب أن يكون
حكمها حكمها؛ لوجود الضرورة، والله أعلم) . اه.
قول الإمام أبي بكر بن العربي المالكي المتوفى سنة 542:
قال في أحكام آية البقرة من تفسيره (أحكام القرآن) بعد تحقيق معنى
الاضطرار بنحو مما تقدم أو أوضح - ومداره على اتقاء الضرر - ما نصه:
(المسالة التاسعة) هذا الضرر الذي بيناه يلحق إما بإكراه من ظالم أو بجوع
في مخمصة أو بفقر لا يجد فيه غيره، فإن التحريم يرتفع عن ذلك بحكم الاستثناء
ويكون مباحا، فأما الإكراه فيبيح ذلك كله إلى آخر الإكراه. وأما المخمصة فلا
يخلو أن تكون دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فاختلف
العلماء في ذلك على قولين: (أحدهما) يأكل حتى يشبع ويتضلع. قاله مالك، وقال
غيره: يأكل على قدر سد الرمق، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون لأن الإباحة
ضرورة فتقدر بقدر الضرورة. وقد قال مالك في موطئه الذي ألفه بيده وأملاه على
أصحابه وأقرأه وقرأه عمره كله: يأكل حتى يشبع، ودليله أن الضرورة ترفع
التحريم فيعود مباحا ومقدار الضرورة إنما هو من حالة عدم القوت إلى حالة وجوده
حتى يجد، وغير ذلك ضعيف.
(المسألة العاشرة) من اضطر إلى خمر، فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف،
وإن كان لجوع أو عطش فلا يشرب، وبه قال مالك في العتبية، قال: ولا يزيده
الخمر إلا عطشا. وحجته أن الله تعالى حرم الخمر مطلقا وحرم الميتة بشرط عدم
الضرورة، ومنهم من حمله على الميتة، وقال أبو بكر الأبهري إن ردت الخمر
عنه جوعا أو عطشا شربها، وقد قال الله تعالى في الخنزير: (إنه رجس) ثم أباحه
للضرورة، وقال تعالى أيضا في الخمر: (إنه رجس) فتدخل في إباحة ضرورة
الخنزير بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس، ولا بد أن تروي ولو ساعة وترد
الجوع ولو مدة.
(المسألة الحادية عشر) إذا غص بلقمة فهل يجيزها بخمر أم لا؟ قيل: لا
يسيغها بالخمر مخافة أن يدعي ذلك، وقال ابن حبيب. يسيغها؛ لأنها حالة ضرورة،
وقد قال العلماء: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل، دخل
النار إلا أن يعفو الله تعالى عنه، والصحيح أنه سبحانه حرم الميتة والدم ولحم
الخنزير أعيانا مخصوصة في أوقات مطلقة، ثم دخل التخصيص بالدليل في بعض
الأعيان، وتطرق التخصيص بالنص إلى بعض الأوقات والأحوال، فقال تعالى:
﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ (البقرة: 173) فرفعت الضرورة التحريم،
ودخل التخصيص أيضا بحال الضرورة إلى حال تحريم الخمر لوجهين: (أحدهما)