تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أضطر أن أروي قصة ذكرتها قبل ذلك كثيراً : أن غديراً فيه سمكات ثلاث ؛ كيسة ، وأكيس منها ، وعاجزة ، أي ذكية جداً ، وذكاء متوسط ، وغباء ، مر بهذا الغدير صيادان تواعدا أن يرجعا ، ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك ، فسمعت السمكات قولهما ، أما أكيسهن فإنها ارتابت ، وتخوفت ، وقالت : العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، ثم لم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت ! هذا أعلى مستوى في العقل ، أخذت حذرها ، وتصرفت في الوقت المناسب ، ونجت ، واستراحت ، وأراحت ، وأما الكيسة الأقل ذكاء فبقيت في مكانها متوانية حتى عاد الصيادان ، الأولى توقعت الخطر ، والثانية واجهت الخطر ، العاقل جداً يأخذ حذره ، ويتحرك قبل أن يقع الخطر ، أما الأقل عقلا فيواجه الخطر ، وقالت : فرطت ، وهذه عاقبة التفريط ، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي ، ثم إنها تماوتت ، وتصنعت الموت فطفت على وجه الماء ، فأخذها الصياد ، فوضعها على الأرض بين النهر والغدير ، فوثبت في النهر ، فنجت بعد أن تحطمت أعصابها ، ونجت بقدرة قادر ، نجت ، واحتمال أن تهلك قائم ، وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت ، هذا الحوّيص لا يفعل شيئًا ، فقط يضرب كفًا بكف ، ويشتكي همه للناس ، ويسمع أخبارًا فقط .

فأعقل سمكة احتاطت للأمر قبل وقوعه ، والأقل عقلاً احتاطت له عند وقوعه ، والغبية لم تحتط له لا قبل وقوعه ولا بعده ، بل واجهته بعجز واتكال .

هذه الآيات إن شاء الله تشرح في درس قادم ، والحمد لله رب العالمين .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٧١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٧١٥