لأنه قبل حمل الأمانة سخر له الكون بأكمله ، إذاً هو المخلوق الأول فيه نفخة من روح الله ، وفيه قبضة من تراب الأرض ، هذه الأمانة نفسه التي بين جنبيه .
الآن دقق أيها الأخ الكريم ، لو أعطاك إنسان مئة ألف ليرة ، وأخذ منك إيصالاً رسمياً أصولياً وفق القوانين النافذة ، هل يعد هذا المبلغ أمانةً ؟ لا ، لأن الذي أعطاك هذا المبلغ بإمكانه أن يقاضيك ، ولو أن إنساناً أعطاك مئة ألف ، وأشهد عليك شاهدين هل هذا المبلغ أمانة ؟ الجواب لا ، لأن الشاهدين يشهدان له عليك ، ولكن إذا أعطاك مئة ألف من دون شاهدين ، ومن دون إيصال فهذا المبلغ أمانة ، أنت بإمكانك أن تؤديه ، وبإمكانك ألاّ تؤديه .
فالأمانة الشيء الذي وضع عندك ، وأنت مؤتمن عليه ، ولا رقيب عليك إلا نفسك وربك ، لذلك حينما حمّل الله عز وجل الإنسان الأمانة ، الأمانة نفسه التي بين جنبيه بإمكانه أن يزكيها ، وبإمكانه أن يدسها ، بإمكانه أن يصدق ، وبإمكانه أن يكذب ، بإمكانه أن يرتقي ، وبإمكانه أن يسفل ، بإمكانه أن يكون أميناً ، وبإمكانه أن يكون خائناً ، فالأمانة نفسك التي بين جنبيك ، فإما أن تعرفها بالله ، وتحملها على طاعته ، فتسعد في الدنيا والآخرة ، وإما أن تبقيها جاهلةً ، وتسمح لها أن تتحرك من دون منهج تسير عليه ، فتشقيها في الدنيا والآخرة .
أيها الإخوة الكرام ، هناك أمانة التكليف ، وهناك أمانة الإنسان ، وهناك أمانة الخلق ، هذا الموضوع أيها الإخوة واسع جداً ، والدليل على أنه واسع ألم يقل الله عز وجل :
[يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(58)] .