تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يريد الشيء أمامه على عجل ، فالمؤمن ماذا فعل ؟ أعرض عن العاجلة واختار الآجلة ، إذاً اختار عكس فطرته ، طبع الناس جميعاً أن يختاروا العاجلة معظم الناس يعيشون وقتهم ، في متعة راهنة يمارسها ، وفي شهوة محرمة يقتنصها ، في مال محبب يأكله حراماً عاجل لأنه أمام يديه أما المؤمن رسم هدفًا بعيدًا جداً ، فهو يسعى إلى ما بعد الموت ، إذا لما اختار هدفًا بعيدًا عاكس طبعه ؟ فلما عاكس طبعه ارتقى إلى الله عز وجل ، فالله يقول : [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا] ، حينما بين لنا ، حينما أراد لنا أن نتوب لأنه يعلم ضعفنا أمام الشهوات ، فحينما يضعف الإنسان أمام شهوته فله باب مفتوح ، هو باب التوبة ، فكأن هذه التوبة تخفف عنه العبء، سبحان الله لما يتوب الإنسان إلى الله توبة نصوحًا يشعر أن جبالا قد أزيحت عن كاهله ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، حينما تتوب إلى الله عز وجل تشعر يقيناً أن جبالاً ضاغطة أزيحت عن كاهلك ، [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا] ، ثلاث إرادات إلهية عظيمة ، الإرادة الأولى : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ] ، والإرادة الثانية : [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ، والإرادة الثالثة : [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ] ،فهذا الذي يفعل السيئات لا سمح الله ولا قدر ، وهذا الذي يقترف الآثام ، أو هذا الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يبني أمنه على خوف الآخرين ، يبني حياته على موت الآخرين ، يبني غناه على إفقار الآخرين ، هذا حينما يعود إلى فطرته تعذبه فطرته عذاباً لا يوصف ، لذلك ورد في بعض الأحاديث في الجامع الصغير : ((إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول : يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى ، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب)) .

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن جابر ] .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٣٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٣٨٢