أيها الإخوة الكرام ، الإسلام في مكة كان ترسيخاً لأصول العقيدة ، وفي المدينة كان تشريعاً للعباد ، إسلام مكة إسلام عقيدة ، وإسلام المدينة إسلام تشريع ، ولا يستغنَى عن أحدهما ، فلا بد من عقيدة سليمة ، ولا بد من تشريع حكيم ، لا بد من إيمان ، ولا بد من عمل ، وأنت بالكون تعرفه ، وبالشرع تعبده ، هناك علاقة دقيقة وخطيرة ، وهي أنك إذا عرفته خالق الأكوان، مبدع السماوات والأرض ، رب العالمين ، بيده ملكوت كل شيء ، تشعر بحاجة إلى أن تتقرب منه ، الإنسان في أصل فطرته يحب الجمال والكمال والنوال ، فإذا ثبت لك اعتقاداً أن أصل الجمال عنده ، وأن أصل الكمال عنده ، وأن العطاء كله منه ينبغي أن تتجه إليه ، في العلاقات اليومية ، يكون للإنسان مكانة ، غني ، له منصب رفيع ، تجد الناس يتحلقون حوله ، يطمحون إليه ، يزورونه في كل مناسبة ، يقدمون له آيات الولاء في كل وقت ، لأنه عنده شيء ، إما علم ، أو جاه ، أو مكانة ، أو مال ، فالناس يقبلون على العظيم طمعاً بما عنده ، فإذا ثبت لك يقيناً أن الكمال كله عند الله ، وأن النوال كله من عند الله ، وأن أصل الجمال هو الله فلا بد أن تتقرب منه، كيف ؟ كيف تتقرب منه ؟ بعبادته ، بطاعته ، أنت إذاً بحاجة ماسة إلى أن تعرف أمره ونهيه ، يعني قد تتقرب لإنسان بهدية ، قد تتقرب إلى إنسان بزيارة ، لكن علاقتك مع خالق الأكوان كيف تتقرب منه ؟ أنت حينما تعبده ، وتطيعه تكون قد تقربت منه ، هل يمكن أن تكون عبادة بلا علم بالأمر والنهي ؟ نعود إلى قاعدة خطيرة ذكرتها في الخطبة ...
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٢٥٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٢٥٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي