تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ .

[ سورة الملك : الآية 2]

ومثل هذه المصائب ، و مثل هذه المعارك فيها ابتلاء .

حصل في القاهرة زلزال ، كثير من أطباء القاهرة ولَّوا وجوههم شطر الإسكندرية ، وانسحبوا من هذا الزلزال طلباً للسلامة ، وأطباء بقوا في المستشفيات يعملون أربعاً وعشرين ساعة خدمةً لهؤلاء الجرحى ، هذا الزلزال فرز الأطباء .

دائماً وأبداً هناك فرز ، الهجرة فرزت المؤمنين ، مؤمنون انصاعوا إلى أمر النبي ، وهاجروا ، وآثروا الهجرة على أموالهم ، وبيوتهم ، ومكانتهم ، وأناس تشبثوا ببيوتهم ، وأموالهم، ولم يهاجروا ، فالهجرة فرز ، والمعارك فرز ، والمصائب فرز ، وقهر الإنسان أحياناً فرز ، يأتي ضغط هؤلاء المؤمنون بعضهم لا يصمد لهذا الضغط ، فيعصي الله طلباً للسلامة ، وبعضهم يصمد ، لذلك الإيمان الحق لا يتغير ، ولا يتبدل ، لا تحت سياط الجلادين اللاذعة ، ولا أمام سبائك الذهب اللامعة ، المؤمن كالجبل لا تهزه هذه المغريات ، ولا تثنيه هذه الضغوط ، فهذا المعركة فرز للمؤمنين ، ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾ .

[آل عمران : من الآية 152]

أيها الإخوة ، وهناك حقيقة أيضاً دقيقة جداً ، لو أن مدرساً أعطى تعليمات للتوضيح وخالفها طالب فلم يعاقب سقطت قيمة هذه التعليمات ، لو أن المدرس كلف طلاباً بوظيفة ، وفي اليوم التالي طلاب كتبوا ، وطلاب ما كتبوا ، استوى عند المدرس الذين كتبوا ، والذين لم يكتبوا، في اليوم الثالث لم يكتب أحد ، فإذا لم تنفذ التعليمات تلغى قيمتها ، فلو أن هؤلاء الصحابة على أنهم عصوا أمر رسول الله فانتصروا لسقطت قيمة الطاعة إطلاقاً ، وهذا شأن تربوي ، حينما لا يحاسب المقصر ، ولا يكافأ المحسن تسقط القيم ، يسقط الباعث ، يسقط الخوف يسقط الطمع .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢١٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢١٠٩