تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنسان يشتري سلعة فينتفع بها مباشرة ، أما حينما يشتري ثمناً فهذا مغبون مائة بالمائة ، لأن الثمن لا يباع ، ولا يشترى ، الإنسان في سابق العصور كان يقايض سلعة بسلعة ، منافع بمنافع ، يأخذ قماشاً ويعطي قمحاً ، هذه مقايضة ، أما الشراء فتشتري القمح بالمال ، وتبيع القماش بالمال ، فالمال وسيط ، المال ثمن ، وليس سلعة ، ففي أصل التشريع الإسلامي الثمن لا يمكن المتاجرة به ، لا يمكن أن يعامل كالمنافع يتاجر بها ، عندئذٍ يلد المالُ المالَ ، وحينما يلد المالُ المالَ تهلك الأمة ، لأن الأموال سوف تجتمع في الأيدي القليلة ، وسوف تحرم منها الكثرة الكثيرة ، الإنسان حينما يجعل من الثمن سلعة يبيعها ، ويشتريها ، ويربح منها ، ويثمرها ، وحينما يلد مرة ثانية المالُ المالَ ، فهو ثمن وليس سلعة ، الفرق بين الثمن والسلعة أن السلعة ينتفع بها مباشرة ، الرغيف تأكله ، والقميص تلبسه ، والبيت تسكنه، والمركبة تركبها ، لكن حينما تستخدم هذه الرموز ، العملة الورقية أو الذهبية تستخدمها سلعة تتاجر بها ، وتنتفع بها أنت فقد فعلت شيئاً يخالف منهج الله ، هذا تعليق جانبي على الآية ، هؤلاء الذين اشتروا بآيات الله وعهده ثمناً ، وياله من ثمن كبير ، هو ثمن قليل ، كم من إنسان باع دينه بعرض من الدنيا قليل، كم من إنسان حلف يمينا على القرآن الكريم كاذبة ليقتطع حق امرئٍ مسلم ؟ أي إنسان يحلف يمينا غموساً ليقتطع به حق امرئٍ مسلم فقد اشترى بعهد الله وآياته ثمناً قليلاً ، أي إنسان يعصي الله ليرضي مخلوق من بني البشر فقد اشترى بعهد الله وآياته ثمناً قليلاً ، أي إنسان يرضي زوجته ويغضب ربه ، لو أردنا أن نتوسع في هذه الآية فهي واسعة جداً ، مثل : لو معك ورقة نقدية بمائة ألف دولار ، وقلبت على وجهها الأملس الأبيض ، فظنتها ورقة عادية ، وكتبت علها رقم هاتف ، ثم مزقتها ، ورميتها في سلة المهملات ، ولم تدر أن هذه ورقة مالية بمائة ألف دولار ، كيف

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٩٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٩٢٨