الإنسان يشتري سلعة فينتفع بها مباشرة ، أما حينما يشتري ثمناً فهذا مغبون مائة بالمائة ، لأن الثمن لا يباع ، ولا يشترى ، الإنسان في سابق العصور كان يقايض سلعة بسلعة ، منافع بمنافع ، يأخذ قماشاً ويعطي قمحاً ، هذه مقايضة ، أما الشراء فتشتري القمح بالمال ، وتبيع القماش بالمال ، فالمال وسيط ، المال ثمن ، وليس سلعة ، ففي أصل التشريع الإسلامي الثمن لا يمكن المتاجرة به ، لا يمكن أن يعامل كالمنافع يتاجر بها ، عندئذٍ يلد المالُ المالَ ، وحينما يلد المالُ المالَ تهلك الأمة ، لأن الأموال سوف تجتمع في الأيدي القليلة ، وسوف تحرم منها الكثرة الكثيرة ، الإنسان حينما يجعل من الثمن سلعة يبيعها ، ويشتريها ، ويربح منها ، ويثمرها ، وحينما يلد مرة ثانية المالُ المالَ ، فهو ثمن وليس سلعة ، الفرق بين الثمن والسلعة أن السلعة ينتفع بها مباشرة ، الرغيف تأكله ، والقميص تلبسه ، والبيت تسكنه، والمركبة تركبها ، لكن حينما تستخدم هذه الرموز ، العملة الورقية أو الذهبية تستخدمها سلعة تتاجر بها ، وتنتفع بها أنت فقد فعلت شيئاً يخالف منهج الله ، هذا تعليق جانبي على الآية ، هؤلاء الذين اشتروا بآيات الله وعهده ثمناً ، وياله من ثمن كبير ، هو ثمن قليل ، كم من إنسان باع دينه بعرض من الدنيا قليل، كم من إنسان حلف يمينا على القرآن الكريم كاذبة ليقتطع حق امرئٍ مسلم ؟ أي إنسان يحلف يمينا غموساً ليقتطع به حق امرئٍ مسلم فقد اشترى بعهد الله وآياته ثمناً قليلاً ، أي إنسان يعصي الله ليرضي مخلوق من بني البشر فقد اشترى بعهد الله وآياته ثمناً قليلاً ، أي إنسان يرضي زوجته ويغضب ربه ، لو أردنا أن نتوسع في هذه الآية فهي واسعة جداً ، مثل : لو معك ورقة نقدية بمائة ألف دولار ، وقلبت على وجهها الأملس الأبيض ، فظنتها ورقة عادية ، وكتبت علها رقم هاتف ، ثم مزقتها ، ورميتها في سلة المهملات ، ولم تدر أن هذه ورقة مالية بمائة ألف دولار ، كيف
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٩٢٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ١٩٢٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي