تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو أنك تملك أرضين ؛ إحداهما مُعشبة ، والأخرى مجدبة ، أليس إن رعيت غنمك في المُعشبة رعيتها بقضاء الله ، وإن أرسلتها إلى المُجدبة أرسلتها بقضاء الله ، فنحن نَفِرُّ من قضاء الله إلى قضاء الله ، السلامة أيضاً قضاء من الله ، أرأيتم إلى هذا الفهم العميق ، أردت من كلمة كن فيكون أن الله قادر أن يخلق شيئاً بثانية ، كن فيكون ، حتى كن فيكون تقريب ، توضيح ، هو الزمن معدوم بين مشيئة الله وبين فعله ، ولكن شاءت حكمته أن يجعل لكل شيء سبباً ، أي ممكن لأب أن يجد أمامه ابنًا عمره عشرون سنة ، كاملا ، مثقفًا ، يحمل شهادة عليا ، ابنه كن فيكون ، الطريق طويل جداً ، يجب البحث عن زوجة ، وعن بيت ، وتفرش البيت ، وتتفق مع أهل الزوجة ، وتقيم عرساً ، وتدخل بها ، وتحمل ، وكل يوم ألم، وكل يوم شيء متعب ، وبعد ذلك تنجب ، والطفل يحتاج إلى رعاية تامة ، يومًا يحبو ، ويومًا يمشي ، ويومًا ينظف ، ويومًا يقول : بابا ، بالتسلسل حتى يمضي عشرون عاماً ، فتجده فتى أمامك ، إن الله قادر ، كن فيكون ، في ثانية ، ولكن شاءت حكمة الله أن يجعل لكل شيء سبباً ، السبب من أجل أن يكون لك عمل ، لو كان كل شيء جاهزاً لما كان للحياة معنى ، من أجل أن يكون لك عملاً ، من أجل أن ترقى عند الله في تربية أولادك ، وأن ترقى عند الله بتعلم حرفة تكسب منها رزقاً ، لولا أن الله قد جعل لكل شيءٍ سبباً لما ارتقى إنسانٌ على وجه الأرض ، الله مسبب الأسباب ، لكن إنقاذاً للتوحيد من حين لآخر يُلغى السبب ، أو يُعطَّل ، يُلغى السبب في السيدة مريم ، أو يُعطل في الشاب والشابة اللذين لا ينجبان ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران : الآية 45]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ١٨١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ١٨١٧